مباشر
سياسة

من أزمة التأشيرات إلى شراكة الثقة.. الرباط وباريس تعيدان هندسة ملف الهجرة

تشهد العلاقات المغربية الفرنسية مرحلة جديدة من إعادة البناء، عنوانها الأبرز الانتقال من منطق الأزمات الظرفية إلى شراكة استراتيجية أكثر نضجا في ملف الهجرة. فبعد سنوات من التوتر، خصوصا على خلفية أزمة التأشيرات، يبدو أن الرباط وباريس تتجهان نحو مقاربة قائمة على الثقة، التنسيق القنصلي، التعاون الأمني، وتشجيع الهجرة القانونية والدائرية، مع الحفاظ على البعد الإنساني ورفض تحويل المغرب إلى مجرد حاجز حدودي في وجه أوروبا.

عثمان منجي الدينبقلم عثمان منجي الدين3 د قراءة
من أزمة التأشيرات إلى شراكة الثقة.. الرباط وباريس تعيدان هندسة ملف الهجرة
من أزمة التأشيرات إلى شراكة الثقة.. الرباط وباريس تعيدان هندسة ملف الهجرة
شارك

في لحظة دبلوماسية دقيقة، تعود العلاقات المغربية الفرنسية إلى واجهة النقاش السياسي والاستراتيجي، لكن هذه المرة من بوابة ملف شديد الحساسية والتعقيد: الهجرة. فبعد مرحلة اتسمت بالتوتر والارتباك، خصوصا خلال أزمة التأشيرات التي ألقت بظلالها على العلاقات بين الرباط وباريس، يبدو أن البلدين يتجهان اليوم نحو صياغة مقاربة جديدة، أكثر هدوءا وواقعية، تقوم على الثقة المتبادلة وتوازن المصالح.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن إعادة ترتيب أولويات الشراكة المغربية الفرنسية، حيث لم يعد ملف الهجرة مجرد قضية تقنية مرتبطة بالتأشيرات أو الترحيل أو ضبط الحدود، بل أصبح جزءا من معادلة أوسع تشمل الأمن، الاقتصاد، الدبلوماسية، وحركية الكفاءات والطلبة والأطر المهنية.

الاجتماع الأخير المنعقد في باريس شكل، وفق متابعين، محطة سياسية جديدة في مسار إعادة بناء قنوات التنسيق بين البلدين. فقد جاء اللقاء ليؤكد وجود إرادة مشتركة لتجاوز رواسب المرحلة السابقة، والانتقال من تدبير ظرفي للأزمات إلى بناء آليات أكثر استباقية وفعالية في التعامل مع قضايا الهجرة والتنقل والتنسيق القنصلي.

وفي هذا السياق، يرى محمد الطيار، رئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن الشراكة المغربية الفرنسية في ملف الهجرة تعرف تحولا نوعيا يتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية. فالأمر لم يعد مقتصرا على مراقبة الحدود أو معالجة ملفات المهاجرين غير النظاميين، بل أصبح مرتبطا برؤية استراتيجية شاملة تعترف بالدور المحوري للمغرب كفاعل إقليمي أساسي في حفظ التوازن داخل الفضاء المتوسطي وامتداده الإفريقي.

ويعكس هذا التحول، بحسب الطيار، اعترافا فرنسيا متزايدا بمكانة المغرب في تدبير الملفات الإقليمية المعقدة، خاصة أن المملكة راكمت تجربة متقدمة في مجال الهجرة، سواء من خلال المقاربة الأمنية لمحاربة شبكات الاتجار بالبشر، أو عبر الرؤية الإنسانية التي تضع كرامة المهاجر في صلب السياسات العمومية.

من جهة أخرى، تكشف المرحلة الجديدة عن انتقال واضح من منطق الضغط السياسي إلى منطق التنسيق العملي. فبعد أزمة التأشيرات التي اعتُبرت من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية، يتجه الطرفان نحو بناء قنوات قنصلية أكثر مرونة وسرعة، خصوصا في ما يتعلق بتدبير ملفات العودة وإعادة الاستقبال، دون المساس بالمبادئ السيادية لكل طرف.

لكن الجانب الأهم في هذه المقاربة الجديدة يتمثل في تشجيع الهجرة القانونية والدائرية، من خلال تسهيل تنقل الطلبة والكفاءات والأطر المهنية. وهذا التوجه يمنح ملف الهجرة بعدا تنمويا جديدا، إذ يحوله من عبء أمني إلى رافعة للتعاون الاقتصادي والإنساني بين البلدين.

وتأتي هذه الدينامية في سياق أوروبي يعرف تصاعدا لافتا في خطاب اليمين المتشدد، الذي يدفع في اتجاه عسكرة الحدود وتشديد السياسات تجاه المهاجرين. غير أن المغرب وفرنسا يحاولان، من خلال هذا المسار، بناء معادلة أكثر توازنا تجمع بين الحزم الأمني والالتزام الإنساني.

فعلى المستوى الأمني، يواصل البلدان تعزيز التنسيق الاستخباراتي لمحاربة شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. أما على المستوى الإنساني، فيبقى التحدي الأكبر هو حماية حقوق المهاجرين وتجنب اختزالهم في أرقام أو ملفات أمنية.

وفي هذا الإطار، يحرص المغرب على التمسك بموقفه السيادي الرافض لتحويل أراضيه إلى مراكز احتجاز خارجية لفائدة أوروبا. فالمقاربة المغربية، كما تؤكدها السياسة الرسمية، تقوم على احترام الكرامة الإنسانية، دعم الإدماج، ومحاربة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، خصوصا عبر دعم التنمية في دول المصدر الإفريقية.

بهذا المعنى، فإن ما يجري بين الرباط وباريس ليس مجرد تسوية تقنية لملف الهجرة، بل إعادة هندسة لعلاقة سياسية كانت تحتاج إلى نفس جديد. فالهجرة، التي شكلت في وقت سابق مصدر توتر وسوء فهم، تتحول اليوم إلى اختبار حقيقي لقدرة البلدين على بناء شراكة متوازنة، قائمة على الوضوح، الاحترام، والمصالح المتبادلة.

وإذا نجح هذا المسار في الحفاظ على توازنه بين الأمن والإنسانية، فقد يشكل نموذجا جديدا للتعاون الأوروبي المتوسطي في ملف الهجرة، بعيدا عن منطق الابتزاز السياسي أو الحلول المؤقتة، وقريبا من رؤية أكثر عدلا واستدامة لمستقبل الضفتين.