مباشر
مجتمع

حين يدفع المواطن ثمن أزمة لم يصنعها... من يحمي الحق في مدينة نظيفة؟

حين يدفع المواطن ثمن أزمة لم يصنعها... من يحمي الحق في مدينة نظيفة؟
شارك

الخدمات العمومية لا تُقاس بوجودها في الظروف العادية، بل بقدرتها على الاستمرار عندما تشتد الأزمات.

قد تختلف وجهات النظر، وقد تتعثر العقود، وقد تواجه المرافق العمومية إكراهات مالية أو إدارية أو اجتماعية، لكن هناك حقيقة لا تقبل الجدل: المواطن لا ينبغي أن يكون الضحية الأولى والأخيرة لأي أزمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بخدمة ترتبط مباشرة بالصحة العامة والكرامة الإنسانية.

اليوم، لم يعد المشهد يقتصر على حاويات ممتلئة أو نفايات متراكمة في بعض الشوارع، بل أصبح مصدرًا حقيقيًا لقلق الأسر، في ظل انتشار الروائح الكريهة، وتكاثر الحشرات، وتزايد المخاوف من الانعكاسات الصحية والبيئية، خاصة على الأطفال، وكبار السن، والأشخاص الذين يعانون أمراضًا مزمنة.

وفي خضم هذا الواقع، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: ما ذنب المواطن؟

ما ذنب الأسر التي تستيقظ كل صباح على مشاهد لا تليق بمدينة تطمح إلى تحسين جودة الحياة؟ وما ذنب الأطفال الذين يغادرون منازلهم إلى المدارس وسط بيئة تفتقر إلى أبسط شروط النظافة؟ ولماذا يصبح المواطن، في كل مرة، الطرف الذي يتحمل نتائج أزمات لم يكن سببًا فيها، ولم يشارك في صناعتها؟

إن من حق الرأي العام أن يطرح هذه الأسئلة، لأن النظافة ليست خدمة ثانوية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بمنطق الظرفية، بل هي مرفق عمومي أساسي يشكل خط الدفاع الأول عن الصحة العامة، ويحافظ على البيئة، ويعكس صورة المدينة، ويؤثر بشكل مباشر في جودة الحياة اليومية.

ولا يعني المواطن من يتحمل مسؤولية التعثر، ولا طبيعة الخلافات أو الإكراهات التي قد يعرفها القطاع، بقدر ما يعنيه أن يجد خدمة عمومية مستمرة، تستجيب لاحتياجاته، وتحترم حقه في العيش داخل بيئة سليمة وآمنة. فهو يؤدي ما عليه من واجبات، ومن حقه أن يحصل على خدمات تحفظ كرامته وتحمي أسرته.

وقد أظهرت تجارب عديدة أن أي اضطراب في خدمات جمع النفايات، ولو لفترة محدودة، يترك آثارًا سريعة على المحيط والساكنة. فتراكم الأزبال لا يشوه المشهد الحضري فحسب، بل يساهم في انبعاث الروائح الكريهة، ويوفر بيئة ملائمة لتكاثر الحشرات والقوارض، ويزيد من المخاطر البيئية والصحية، وهو ما يفرض التعامل مع هذا الملف بمنطق الوقاية والاستباق، لا بمنطق رد الفعل بعد تفاقم الأزمة.

ومن هنا، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على تحديد المسؤوليات بعد وقوع الأزمة، بل يجب أن يتجه نحو البحث عن حلول مستدامة تضمن استمرارية هذا المرفق الحيوي، مهما كانت الإكراهات، لأن المرافق التي ترتبط بصحة المواطنين لا يجوز أن تتوقف، ولا ينبغي أن تبقى رهينة لأي ظرف طارئ.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأسئلة التي تنتظر الرأي العام إجابات واضحة بشأنها: هل توجد آليات فعالة تضمن استمرارية خدمات النظافة في جميع الظروف؟ وهل تم إعداد خطط استعجالية للتدخل قبل أن تتحول الأزمة إلى تهديد للصحة العامة؟ وكيف سيتم تعزيز آليات المراقبة والتدبير لتفادي تكرار مثل هذه المشاهد مستقبلًا؟

إن حماية الصحة العامة مسؤولية مشتركة، لكن ضمان استمرارية المرافق العمومية مسؤولية لا تقبل التأجيل. فالأطفال لا ينتظرون نهاية الخلافات، والمرضى لا يستطيعون تأجيل احتياجاتهم، والأسر لا يمكن أن تعيش وسط بيئة تهدد سلامتها كلما برزت أزمة جديدة.

واليوم، لا ينتظر المواطن بيانات متبادلة، ولا تبريرات متكررة، ولا سجالات حول المسؤوليات، بل ينتظر تدخلًا ميدانيًا سريعًا، ورؤية واضحة، وحلولًا عملية تعيد الأمور إلى طبيعتها، وتؤكد أن كرامة الإنسان وصحته تظلان فوق كل اعتبار.

إن المدن لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها، ولا بعدد أوراشها، بل أيضًا بقدرتها على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية في كل الظروف. والنظافة ليست مجرد عملية لجمع النفايات، بل هي عنوان لاحترام الإنسان، ومؤشر على جودة تدبير الشأن العام، وأحد أهم معايير الثقة في المرافق العمومية.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يختزل انشغال الشارع: هل سيظل المواطن الحلقة الأضعف كلما تعثر مرفق عمومي، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد إرساء منظومة قادرة على حماية حقه في بيئة نظيفة، وصحة آمنة، وخدمة عمومية تستمر مهما كانت الظروف؟