مباشر
مال وأعمال

من منطق البرامج إلى منطق الدولة المنفِّذة: قراءة في التحول الصامت للسياسة العمومية بالمغرب (2026–2034)

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة، تتشكل في المغرب ملامح مرحلة جديدة تتجاوز بكثير النقاشات التقليدية حول البرامج الحكومية أو التوازنات الحزبية، لتدخل في عمق إعادة تعريف من يصنع القرار العمومي وكيف يُنفَّذ. فالعرض الذي قُدِّم ضمن المجلس الوزاري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مخطط تنموي ممتد زمنياً، بل كتحول …

من منطق البرامج إلى منطق الدولة المنفِّذة: قراءة في التحول الصامت للسياسة العمومية بالمغرب (2026–2034)
من منطق البرامج إلى منطق الدولة المنفِّذة: قراءة في التحول الصامت للسياسة العمومية بالمغرب (2026–2034)
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة، تتشكل في المغرب ملامح مرحلة جديدة تتجاوز بكثير النقاشات التقليدية حول البرامج الحكومية أو التوازنات الحزبية، لتدخل في عمق إعادة تعريف من يصنع القرار العمومي وكيف يُنفَّذ. فالعرض الذي قُدِّم ضمن المجلس الوزاري لا يمكن قراءته باعتباره مجرد مخطط تنموي ممتد زمنياً، بل كتحول نوعي في هندسة الفعل العمومي، يعلن – بشكل هادئ ولكن حاسم – انتقال الدولة من موقع المؤطر إلى موقع الفاعل المباشر.

إننا أمام انتقال من “سياسة البرامج” إلى “سياسة النتائج”، ومن منطق التنافس الانتخابي حول الوعود إلى منطق التعاقد العمومي حول الإنجاز. وهذا التحول لا يطرح فقط سؤال الفعالية، بل يعيد صياغة سؤال الشرعية نفسه: هل تُستمد من صناديق الاقتراع فقط، أم من القدرة على تحقيق أثر ملموس في حياة المواطنين؟

في هذا السياق، يبرز بوضوح أن المغرب دخل مرحلة ما بعد الوساطة الحزبية التقليدية، ليس بإلغائها، بل بإعادة تحديد أدوارها. فالأحزاب، التي كان يُفترض أن تكون فضاءً لإنتاج النخب وصياغة البدائل، وجدت نفسها – بفعل تراكم اختلالات بنيوية – عاجزة عن مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع والدولة. ومن هنا، لم يعد ممكناً ترك مسار التنمية رهيناً بإيقاع سياسي متردد أو بخطاب انتخابي موسمي.

إن الهندسة الجديدة للفعل العمومي، التي ترتكز على إشراك البنية الترابية في التشخيص والبرمجة، وعلى آليات تنفيذ مرنة قائمة على النجاعة، تعكس توجهاً واضحاً نحو عقلنة القرار وتقريبه من الواقع. فحين تصبح الجهة، والإقليم، والجماعة، فضاءات حقيقية لإنتاج السياسات، فإن ذلك يعزز من دقة التشخيص وملاءمة الحلول، ويقلص من فجوة المركز والهامش.

غير أن الأهم في هذا التحول ليس فقط إعادة توزيع الأدوار، بل إدخال منطق جديد للحكامة، قوامه ربط المسؤولية بالنتائج، وتكريس ثقافة التتبع والتقييم. فإحداث آليات رقمية لتتبع المشاريع، واعتماد صيغ مؤسساتية مرنة في التنفيذ، يعكسان إرادة واضحة في تجاوز بطء الإدارة الكلاسيكية، والانتقال نحو نموذج “الدولة المنفِّذة”، التي تُقاس فعاليتها بما تحققه لا بما تعلنه.

وفي العمق، يعكس هذا المسار توجهاً نحو بناء “دولة اجتماعية بآليات اقتصادية حديثة”، حيث لا يقتصر دور الدولة على إعادة توزيع الثروة، بل يمتد إلى خلقها وتوجيهها. فالأوراش الكبرى، سواء المرتبطة بالبنيات التحتية أو بالحماية الاجتماعية أو بالتحول الرقمي، لم تعد مشاريع قطاعية منفصلة، بل أصبحت جزءاً من رؤية مندمجة تستهدف إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع معاً.

لكن، ورغم أهمية هذا التحول، فإنه يطرح تحديات حقيقية. أولها، كيفية ضمان التوازن بين النجاعة التقنية والشرعية الديمقراطية، حتى لا يتحول البحث عن السرعة في الإنجاز إلى تهميش لدور المؤسسات المنتخبة. وثانيها، ضرورة تأهيل النخب السياسية والإدارية لتكون في مستوى هذا التحول، لأن أي نموذج، مهما كان متقدماً، يظل رهيناً بكفاءة من يسهر على تنزيله. أما التحدي الثالث، فيتعلق بضمان انخراط المواطن، ليس فقط كمستفيد، بل كفاعل في التتبع والمساءلة.

إن المرحلة المقبلة لن تكون، في جوهرها، صراعاً بين برامج انتخابية، بقدر ما ستكون اختباراً للقدرة على الانخراط في مشروع وطني محدد المعالم. فالرؤية أصبحت واضحة، والأوراش محددة، والموارد مرصودة، ولم يعد السؤال: ماذا سنفعل؟ بل: من يستطيع أن ينجز؟ وكيف؟

وفي هذا الإطار، يمكن القول إن المغرب بصدد بناء نموذج جديد في تدبير الشأن العام، نموذج يقوم على التوازن بين القيادة الاستراتيجية للدولة، والنجاعة التنفيذية للمؤسسات، والمساءلة المجتمعية المفتوحة. وهو نموذج، إن نجح، قد يشكل تجربة متميزة في المنطقة، تجمع بين الاستقرار السياسي والدينامية الاقتصادية.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بإقصاء السياسة، بل بإعادة تأسيسها على أسس جديدة، حيث لا قيمة للخطاب دون أثر، ولا معنى للشرعية دون مسؤولية، ولا مكان في المستقبل إلا لمن يملك القدرة على التحول من منطق الوعد إلى منطق الإنجاز.