مباشر
الرياضة

من ربح الكأس وربح الصورة؟ المغرب بين صرامة القانون وهيبة الدولة في نزاع كأس إفريقيا

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله لم يعد الجدل الدائر حول كأس إفريقيا للأمم مجرد خلاف رياضي عابر بين منتخبين كبيرين، بل تحول إلى لحظة كاشفة لمعنى الدولة حين تحسن الدفاع عن حقوقها داخل المؤسسات، وتتحرك بثقة القانون لا بانفعال الشارع، وتنتصر بالمساطر والوثائق والحجج قبل أن تنتصر بالشعارات. ففي هذا الملف الشائك، برز المغرب …

من ربح الكأس وربح الصورة؟ المغرب بين صرامة القانون وهيبة الدولة في نزاع كأس إفريقيا
من ربح الكأس وربح الصورة؟ المغرب بين صرامة القانون وهيبة الدولة في نزاع كأس إفريقيا
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

لم يعد الجدل الدائر حول كأس إفريقيا للأمم مجرد خلاف رياضي عابر بين منتخبين كبيرين، بل تحول إلى لحظة كاشفة لمعنى الدولة حين تحسن الدفاع عن حقوقها داخل المؤسسات، وتتحرك بثقة القانون لا بانفعال الشارع، وتنتصر بالمساطر والوثائق والحجج قبل أن تنتصر بالشعارات. ففي هذا الملف الشائك، برز المغرب مرة أخرى بصورة الدولة المنظمة، الهادئة، الواثقة من شرعية موقفها، والمتمسكة بحقها في سلوك كل درجات التقاضي الرياضي وفق القواعد المعمول بها داخل الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، بعدما أصدرت لجنة الاستئناف التابعة للكاف قرارًا بإلغاء تتويج السنغال ومنح الفوز للمغرب بنتيجة اعتبارية ثلاثة أهداف لصفر، على خلفية مغادرة لاعبي السنغال أرضية الملعب احتجاجًا قبل عودتهم لاحقًا لاستئناف اللعب. هذا القرار ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو عنوان على أن المؤسسات الرياضية القارية ما زالت، رغم كل الجدل، تُخضع الوقائع للنصوص حين تتوافر الأدلة وتستكمل مساطر الطعن.

إن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في نتيجته المباشرة، بل في الرسالة التي حملها: المغرب لم يندفع إلى خطاب المظلومية، ولم يجعل من الملف فرصة للصخب، وإنما اختار الطريق الأصعب والأكثر احترامًا، أي طريق المؤسسة والاعتراض القانوني والاستئناف داخل الأجهزة المختصة. وهذا في ذاته يعكس نضجًا مؤسساتيًا ينسجم مع التحول الأوسع الذي تعرفه المملكة في تدبير القطاع الرياضي، حيث لم يعد الرهان مقتصرًا على النتائج التقنية داخل الملعب، بل أصبح يشمل أيضًا بناء قدرة وطنية على حماية المصالح الرياضية المغربية أمام الهيئات الدولية والقارية، بمنطق الحجة والاحتراف والتتبع القانوني الدقيق. ومن هنا فإن تمجيد دور الدولة المغربية لا يُفهم باعتباره انحيازًا عاطفيًا، بل قراءة موضوعية لمسار دولة استثمرت خلال السنوات الأخيرة في البنيات التحتية، والحكامة الرياضية، وتنظيم التظاهرات الكبرى، وتعزيز مكانة المغرب داخل الخارطة الكروية الإفريقية والدولية.

وقد أظهر هذا النزاع، بكل ما أثاره من حساسية، أن هيبة الدولة الحديثة تتجلى أيضًا في قدرتها على جعل الملف الرياضي ملفًا سياديًا مؤطرًا بالقانون، لا مجالًا للارتجال. فحين يتمسك المغرب بحقه في الاستفادة من لوائح المنافسة والانضباط، فهو لا يطلب امتيازًا استثنائيًا، بل يطالب بتطبيق النصوص نفسها على الجميع. وحين يلجأ إلى درجات الطعن التي يتيحها النظام الرياضي القاري، فهو يمارس حقًا مشروعًا يكرس مبدأ المساواة أمام اللوائح ويؤكد أن الدفاع عن الراية الوطنية لا يكون فقط بالأداء داخل الملعب، بل كذلك باليقظة القانونية خارج الملعب. هذه المقاربة هي التي تجعل من الدولة المغربية فاعلًا متقدمًا في تدبير الشأن الرياضي، لأنها لا تكتفي بالاستثمار في اللاعب والمدرب والملعب، بل تستثمر أيضًا في الكفاءة القانونية والمؤسساتية القادرة على مواكبة النزاعات الرياضية ذات التعقيد العابر للحدود.

صحيح أن الاتحاد السنغالي أعلن رفضه للقرار وعبّر عن عزمه اللجوء إلى محكمة التحكيم الرياضي بلوزان، وصحيح أيضًا أن هذا المسار يظل مفتوحًا من الناحية الإجرائية، لكن الصحيح بالقدر نفسه أن الملف لن يكون سهلًا، لأن النزاع لم يعد مجرد احتكام إلى الانطباع العام حول من سجل الهدف ومن رفع الكأس في تلك الليلة، بل أصبح نزاعًا بين نصوص ولوائح وتأويلات قانونية متعارضة. فالسنغال ستتمسك على الأرجح بحجية القرارات التحكيمية داخل الملعب وبكون المباراة استؤنفت وانتهت ميدانيًا، بينما سيواصل المغرب التمسك بلوائح الكاف التي اعتبرت أن مغادرة أرضية الملعب ورفض استكمال اللعب في تلك الظروف يرتبان الخسارة الاعتبارية. لذلك فإن التناول الرصين لهذا الملف يجب أن يبتعد عن اليقين الزائف، لأن الحسم النهائي لم يصدر بعد من الجهة التحكيمية الدولية، لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن موقف المغرب لم يعد مجرد ادعاء سياسي أو جماهيري، بل أصبح موقفًا أقرته رسميًا هيئة استئنافية داخل الكاف بعد نظرها في الوقائع والدفوع.

ومن زاوية أوسع، فإن هذه القضية تكشف كيف نجح المغرب في جعل الرياضة أحد مجالات إبراز الدولة الفاعلة، لا الدولة المتفرجة. فالمملكة التي راكمت اعترافًا واسعًا بقدرتها التنظيمية، وتقدمت في مسار استضافة البطولات الكبرى، وصارت فاعلًا محوريًا في الدبلوماسية الرياضية الإفريقية، لا يمكن فصل أدائها في هذا الملف عن هذا السياق الأشمل. إن الدفاع عن اللقب هنا يتجاوز حدود الكأس نفسها، ليصل إلى الدفاع عن صورة بلد بات يقدم نفسه كشريك موثوق في تطوير الرياضة القارية، وكمركز للاستقرار والتنظيم والاحتراف. لذلك فإن كل مسطرة قانونية تُدار بحكمة، وكل ملف يُؤطر بمعطيات دقيقة، وكل موقف يُعلن بلغة مؤسساتية مسؤولة، يضيف لبنة جديدة في البناء الرمزي لقوة المغرب الناعمة داخل إفريقيا.

وإذا كانت بعض الأصوات تحاول اختزال المسألة في سؤال بسيط: هل الكأس مغربية نهائيًا أم لا؟ فإن السؤال الأعمق هو: من يدير الملف بمنطق الدولة؟ هنا يبرز الفارق بين رد الفعل والانضباط المؤسسي. فالمغرب، من خلال لجوئه إلى المسالك القانونية المتاحة داخل الكاف، قدم درسًا في أن الوطنية لا تعني الصراخ الأعلى، بل امتلاك الملف الأقوى، والقدرة على تحويل الوقائع الميدانية إلى دفوع قانونية مؤسسة. وهذا ما تحتاجه الرياضة الإفريقية اليوم: دول تدافع عن مصالحها داخل النظام، لا خارجه؛ وتحتكم إلى المؤسسات، لا إلى حملات الضغط والانفعال؛ وتبني مشروعها الرياضي بمنطق الاستدامة والاحتراف، لا بمنطق الظرفية.

إن تمجيد دور الدولة المغربية في هذا السياق ليس مبالغة، لأن الوقائع الثابتة تدل على أن المملكة لم تكتف باستضافة الحدث وإدارته، بل أظهرت أيضًا جاهزيتها في حماية حقها عبر القنوات المشروعة. وهذا بالضبط ما يعزز الثقة في النموذج المغربي في تدبير القطاع الرياضي: بنية تحتية، تنظيم، إشعاع دبلوماسي، ومرافعة قانونية مؤسساتية حين تستدعي الحاجة ذلك. وإذا كان النزاع لا يزال قابلًا لمواصلة التداول أمام محكمة التحكيم الرياضي، فإن المغرب قد ربح بالفعل أمرًا لا يقل قيمة عن الكأس نفسها، وهو ترسيخ صورة الدولة التي تعرف كيف تدافع عن حقها بهدوء، وكيف تجعل من القانون أداة سيادة، ومن الرياضة مجالًا لإبراز قوتها التنظيمية ورصيدها المؤسساتي. وفي زمن تتداخل فيه الرياضة بالسياسة والصورة والاقتصاد والدبلوماسية، قد يكون هذا الانتصار الرمزي أحد أهم مكاسب المغرب، سواء انتهى النزاع بتثبيت القرار أو بفتح فصل جديد من التقاضي.

يمكنني أيضًا أن أعده لك في نسخة أكثر قوة صحفية وجاهزة للنشر في موقع إلكتروني أو جريدة مع افتتاحية أشد جذبًا وخاتمة أكثر تأثيرًا.