مباشر
مال وأعمال

من الملاعب إلى البورصة: كيف يقود المغرب ثورة احترافية في الرياضة نحو أفق 2030

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب على المستويين الاقتصادي والمؤسساتي، يبرز قطاع الرياضة كأحد المجالات التي دخلت مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة العميقة، ليس فقط من زاوية الأداء الرياضي، بل من خلال بناء نموذج اقتصادي وقانوني متكامل يجعل من الرياضة رافعة حقيقية للتنمية والاستثمار. ويأتي هذا التحول في …

من الملاعب إلى البورصة: كيف يقود المغرب ثورة احترافية في الرياضة نحو أفق 2030
من الملاعب إلى البورصة: كيف يقود المغرب ثورة احترافية في الرياضة نحو أفق 2030
شارك

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب على المستويين الاقتصادي والمؤسساتي، يبرز قطاع الرياضة كأحد المجالات التي دخلت مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة العميقة، ليس فقط من زاوية الأداء الرياضي، بل من خلال بناء نموذج اقتصادي وقانوني متكامل يجعل من الرياضة رافعة حقيقية للتنمية والاستثمار. ويأتي هذا التحول في ظل استعداد المملكة لاحتضان تظاهرات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، مما فرض تسريع وتيرة الإصلاحات لإرساء منظومة احترافية قائمة على الحكامة والشفافية والاستدامة.

لقد شكلت المراجعة القانونية المؤطرة للقطاع، خاصة من خلال القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، نقطة انطلاق حاسمة في مسار تحويل الجمعيات الرياضية إلى شركات، بما ينسجم مع المعايير الدولية في تدبير الأندية الاحترافية. هذا التحول لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل يعكس إرادة الدولة في القطع مع النموذج التقليدي القائم على التسيير الجمعوي غير المهيكل، والانتقال نحو نموذج اقتصادي قائم على المحاسبة والنجاعة والربحية. وهو ما يفتح الباب أمام دخول مستثمرين وفاعلين اقتصاديين جدد، ويمنح الأندية القدرة على تعبئة موارد مالية ذاتية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الدعم العمومي.

وفي هذا الإطار، جاءت مستجدات قانون المالية لسنة 2026 لتعزز هذا التوجه الإصلاحي، حيث تم إقرار حزمة من التحفيزات الضريبية غير المسبوقة، من بينها إعفاء شركات الرياضة من الضريبة على الشركات لمدة خمس سنوات، وهو إجراء من شأنه تشجيع الاستثمار الخاص وتحفيز إنشاء شركات رياضية قادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية. كما تم تكريس مبدأ تشجيع الرعاية الرياضية عبر إمكانية خصم التبرعات الموجهة للقطاع من الوعاء الضريبي، مما يعزز دور المقاولة المواطنة في دعم الرياضة الوطنية.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الإصلاحات الجديدة فتحت المجال أمام تثمين الأصول غير المادية للأندية، مثل العلامات التجارية وحقوق اللاعبين، من خلال تسهيل عمليات إدماجها في الرأسمال، وهو ما يعكس تطوراً نوعياً في فهم الاقتصاد الرياضي كمنظومة متكاملة تتجاوز مجرد النتائج داخل الملعب. كما تم اعتماد نظام تحفيزي تدريجي لتخفيض العبء الضريبي المرتبط بالأجور، في خطوة تهدف إلى تحسين تنافسية الأندية المغربية على المستوى الدولي واستقطاب الكفاءات الرياضية.

إن هذا التحول العميق في بنية القطاع الرياضي يعكس بوضوح الرؤية الاستراتيجية للدولة المغربية، التي جعلت من الرياضة أحد محاور النموذج التنموي الجديد، من خلال الاستثمار في البنيات التحتية، وتحديث الإطار القانوني، وتحفيز القطاع الخاص. وهو توجه يجد صداه في المقاربة الاقتصادية الحديثة التي تعتبر الرياضة صناعة قائمة بذاتها، قادرة على خلق فرص الشغل، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الإشعاع الدولي للمملكة.

ومن منظور نظري، يمكن قراءة هذه الإصلاحات في ضوء المدرسة الاقتصادية المؤسسية، التي تؤكد أن جودة القواعد القانونية والمؤسساتية هي المحدد الأساسي لجاذبية الاستثمار وتحقيق النمو. كما تندرج هذه التحولات ضمن منطق الاقتصاد الرياضي الذي يربط بين الأداء الرياضي والقيمة السوقية، حيث لم يعد النجاح يقاس فقط بالألقاب، بل بقدرة الأندية على تحقيق التوازن المالي وتطوير نموذج أعمال مستدام.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن احترافية القطاع تساهم في إعادة الاعتبار للمهن الرياضية، وضمان حقوق الرياضيين عبر عقود عمل مؤطرة قانوناً، مما يعزز الحماية الاجتماعية ويحد من الهشاشة التي كانت تطبع هذا المجال. كما أن تطوير الرياضة ينعكس إيجاباً على الشباب، من خلال توفير فرص جديدة للإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وتقوية قيم الانضباط والعمل الجماعي.

إن ما يقوم به المغرب اليوم ليس مجرد إصلاح قطاعي محدود، بل هو بناء منظومة رياضية حديثة تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية، في إطار رؤية ملكية واضحة تجعل من الرياضة أداة للتنمية الشاملة. وبينما تتجه أنظار العالم إلى المملكة في أفق 2030، يبدو أن المغرب لا يستعد فقط لتنظيم حدث عالمي، بل لتقديم نموذج متكامل في كيفية تحويل الرياضة إلى صناعة استراتيجية قادرة على خلق الثروة وتعزيز المكانة الدولية.

وفي ظل هذه الدينامية، يبقى التحدي الأكبر هو مواكبة هذا التحول بتأهيل الموارد البشرية وتعزيز آليات المراقبة والحكامة، لضمان تنزيل فعلي لهذه الإصلاحات على أرض الواقع، وتحقيق الأهداف المرسومة. غير أن المؤشرات الحالية تؤكد أن المغرب يسير بثبات نحو ترسيخ نموذج رياضي احترافي، يعكس طموحات دولة اختارت أن تجعل من الإصلاح خياراً استراتيجياً ومن المستقبل أفقاً مفتوحاً.