مباشر
مال وأعمال

“من الإحسان إلى الاتهام الجنائي: كيف يعاقب القانون النية الحسنة في جرائم تبييض الأموال بالمغرب؟”

في سياق التحولات الرقمية المتسارعة التي يعرفها النظام المالي المغربي، وتزايد الاعتماد على الوسائل البنكية الإلكترونية، برزت ظواهر إجرامية جديدة تستغل الثغرات السلوكية أكثر من الثغرات التقنية، حيث لم يعد المجرم التقليدي يعتمد على القوة أو التهديد، بل أصبح يوظف ما هو أخطر: الثقة الإنسانية والنية الحسنة. هذه المفارقة القانونية والاجتماعية تضعنا أمام إشكالية عميقة …

“من الإحسان إلى الاتهام الجنائي: كيف يعاقب القانون النية الحسنة في جرائم تبييض الأموال بالمغرب؟”
“من الإحسان إلى الاتهام الجنائي: كيف يعاقب القانون النية الحسنة في جرائم تبييض الأموال بالمغرب؟”
شارك

في سياق التحولات الرقمية المتسارعة التي يعرفها النظام المالي المغربي، وتزايد الاعتماد على الوسائل البنكية الإلكترونية، برزت ظواهر إجرامية جديدة تستغل الثغرات السلوكية أكثر من الثغرات التقنية، حيث لم يعد المجرم التقليدي يعتمد على القوة أو التهديد، بل أصبح يوظف ما هو أخطر: الثقة الإنسانية والنية الحسنة. هذه المفارقة القانونية والاجتماعية تضعنا أمام إشكالية عميقة تتقاطع فيها القيم الأخلاقية مع الصرامة التشريعية، خصوصاً حين يتحول فعل “المساعدة” إلى عنصر مكوّن لجريمة خطيرة كجريمة تبييض الأموال.

إن المنظومة القانونية المغربية، وخاصة بموجب القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، لا تنظر فقط إلى النية، بل تعتمد بشكل أساسي على الأثر القانوني للفعل، وعلى العلاقة السببية بين السلوك والنتيجة. فالشخص الذي يقبل استقبال تحويل مالي لحساب شخص آخر، ثم يسحبه ويسلمه نقداً، قد يُعتبر قانوناً مشاركاً أو مساهماً في عملية تبييض أموال، حتى وإن كان يجهل المصدر الحقيقي لتلك الأموال. وهنا يظهر بوضوح مبدأ قانوني راسخ: “الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية”، وهو مبدأ يجد جذوره في المدرسة القانونية الوضعية التي تعطي الأولوية لاستقرار المعاملات وحماية النظام العام المالي.

من الناحية الاقتصادية، تندرج هذه الظاهرة ضمن ما يُعرف باقتصاد الظل (Shadow Economy)، حيث يتم تمرير أموال غير مشروعة عبر قنوات تبدو قانونية، مستغلة حسابات بنكية لأشخاص عاديين لا علاقة لهم بالشبكات الإجرامية. هذه الآلية تُستخدم لتفادي أنظمة المراقبة البنكية (AML/CFT)، مما يجعل “الوسيط البشري” الحلقة الأضعف والأخطر في نفس الوقت. وهنا تتقاطع النظرية الاقتصادية المؤسسية مع الواقع، حيث تؤكد أن ضعف الوعي المالي لدى الأفراد يخلق بيئة خصبة لانتشار الممارسات غير القانونية، حتى دون قصد.

أما من الزاوية الاجتماعية، فإن هذه الحالات تكشف عن صراع خفي بين منظومة القيم التقليدية القائمة على التضامن والتكافل، وبين متطلبات الدولة الحديثة التي تفرض رقابة صارمة على التدفقات المالية. فالفرد الذي تربى على مساعدة الآخرين دون تردد، يجد نفسه فجأة في مواجهة جهاز قانوني لا يعترف إلا بالوقائع المادية والأدلة الرقمية. وهذا ما يفسر الصدمة المجتمعية التي ترافق مثل هذه القضايا، حيث تتحول “النية الحسنة” إلى عبء قانوني، وتصبح الثقة مخاطرة.

الاجتهاد القضائي المغربي، في هذا الإطار، يميل إلى تشديد المسؤولية كلما ثبت وجود “سلوك إيجابي” ساهم في تمرير الأموال، حتى دون إثبات القصد الجنائي المباشر، وذلك استناداً إلى مفهوم “الخطأ الجسيم” أو “الإهمال الواعي”. فالقاضي لا يكتفي بتقييم النية، بل ينظر إلى مدى احتراز الشخص، وهل كان بإمكانه تفادي الفعل لو تحلى بالحيطة اللازمة. وهذا التوجه ينسجم مع المعايير الدولية التي تفرضها مجموعة العمل المالي Financial Action Task Force، والتي تلزم الدول بتوسيع نطاق التجريم ليشمل كل من يساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في إخفاء أو تمويه مصدر الأموال غير المشروعة.

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في بعدها القانوني، بل في آثارها الاقتصادية الكلية، حيث تؤدي إلى تقويض الثقة في النظام البنكي، وتعطيل جهود الشمول المالي، وزيادة كلفة الامتثال بالنسبة للمؤسسات المالية. كما أنها تخلق عبئاً إضافياً على الجهاز القضائي، الذي يجد نفسه أمام قضايا معقدة تتداخل فيها الأبعاد التقنية والإنسانية.

وفي ضوء ذلك، يصبح الوعي القانوني والمالي ضرورة ملحة، وليس مجرد خيار. فالمسؤولية لم تعد محصورة في الفاعلين الاقتصاديين الكبار، بل امتدت إلى كل مواطن يملك حساباً بنكياً أو يتعامل بالوسائل الإلكترونية. إن حماية النفس اليوم لا تمر فقط عبر الالتزام بالقانون، بل عبر فهمه واستباق مخاطره، لأن الخطأ في هذا المجال لا يُقاس بنيته، بل بنتيجته.

وبالتالي، فإن المعادلة الجديدة التي يفرضها الواقع يمكن تلخيصها في مبدأ بسيط لكنه حاسم: في عالم المال الرقمي، الثقة غير المؤطرة قانونياً قد تتحول إلى دليل إدانة، والنية الحسنة دون وعي قد تصبح مدخلاً إلى المسؤولية الجنائية.