مباشر
مال وأعمال

مسؤولية مؤسسات التحكيم الدولية

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله محكم دولي معتمد لدى مركز QMI لندن في عالم يتسم بتعقّد العلاقات الاقتصادية وتشابك المصالح بين الدول والمؤسسات والأفراد، لم يعد التحكيم مجرد وسيلة بديلة لتسوية النزاعات، بل تحوّل إلى آلية مركزية لإرساء العدالة وتحقيق التوازن في المعاملات الدولية. ومع هذا الدور المتعاظم، تبرز مسؤولية مؤسسات التحكيم الدولية باعتبارها …

مسؤولية مؤسسات التحكيم الدولية
مسؤولية مؤسسات التحكيم الدولية
شارك

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله محكم دولي معتمد لدى مركز QMI لندن

في عالم يتسم بتعقّد العلاقات الاقتصادية وتشابك المصالح بين الدول والمؤسسات والأفراد، لم يعد التحكيم مجرد وسيلة بديلة لتسوية النزاعات، بل تحوّل إلى آلية مركزية لإرساء العدالة وتحقيق التوازن في المعاملات الدولية. ومع هذا الدور المتعاظم، تبرز مسؤولية مؤسسات التحكيم الدولية باعتبارها جهات لا تقتصر مهامها على تنظيم الإجراءات، بل تشمل أيضًا الالتزام بالمبادئ الأساسية للعدالة والنزاهة والحياد.

إن ما يضفي على هذه المؤسسات أهمية متزايدة هو الثقة التي يضعها فيها المتنازعون، سواء كانوا دولاً أو شركات كبرى أو مستثمرين أجانب، وهي ثقة لا تُكتسب إلا من خلال ممارسات شفافة، وأحكام عادلة، ومهنية عالية في إدارة النزاعات. غير أن هذه الثقة قد تتعرض للاهتزاز عندما تُثار شبهات حول التحيّز أو تضارب المصالح أو ضعف الرقابة على المحكمين.

واقع الحال يكشف عن تزايد الانتقادات الموجهة لبعض مؤسسات التحكيم الدولية، خاصة تلك التي تحتكر الساحة العالمية، مثل محكمة التحكيم الدولية في لاهاي (PCA)، والمحكمة الدولية للتحكيم التجاري (ICC) في باريس، والمركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار (ICSID) في واشنطن، بسبب غياب آليات مساءلة واضحة، أو بسبب إغفالها لمبدأ التناسب في تقدير التعويضات، أو حتى تجاهلها لبعض القواعد الحمائية الخاصة بالدول النامية. هنا، تتحول المسؤولية إلى ضرورة أخلاقية وقانونية في آن، تُلزم هذه الهيئات بتجديد أدواتها ومراجعة آلياتها وتعزيز شفافية عملياتها.

ولا يمكن أن نغفل الدور الكبير الذي تلعبه البيئة القانونية الدولية في تأطير عمل هذه المؤسسات. فرغم أن التحكيم يقوم على مبدأ الاستقلال والمرونة، إلا أن غياب ضوابط رقابية دولية فعالة قد يفتح المجال أمام ممارسات تضر بصورة التحكيم ككل. ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحّة لتفعيل آليات دولية تُخضع مؤسسات التحكيم لتقييم دوري، وتلزمها بنشر تقارير عن أدائها، وتفتح المجال أمام الأطراف للطعن في بعض الإجراءات في حالات الانحراف الجسيم.

مسؤولية مؤسسات التحكيم الدولية اليوم لم تعد مسألة نظرية، بل هي مطلب يتردد في قاعات المؤتمرات القانونية، وتتبناه أصوات أكاديمية ومهنية تطالب بإصلاحات حقيقية تضمن التوازن بين مصالح المستثمرين وحقوق الدول، وتحمي فكرة التحكيم من أن تُستغل كأداة ضغط اقتصادي أو سياسي.
في نهاية المطاف، ليست قوة مؤسسات التحكيم في حجم القضايا التي تديرها أو شهرة أعضائها، بل في قدرتها على الحفاظ على الثقة، وإرساء العدالة، وتطوير نفسها بما يتماشى مع متغيرات العصر. فالمسؤولية هنا ليست عبئًا، بل فرصة لترسيخ ريادة أخلاقية وقانونية تعيد للتحكيم صورته النزيهة والعادلة.