مباشر
مال وأعمال

مراكز البحث العلمي قوة ناعمة: رهان استراتيجي لتعزيز النفوذ والتأثير الدولي

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في عالم اليوم، حيث تلعب المعرفة والابتكار دورًا حاسمًا في تشكيل مستقبل الدول، أصبحت مراكز البحث العلمي أحد أبرز أدوات “القوة الناعمة” التي تعتمدها الدول لتعزيز نفوذها على الساحة الدولية. فبعيدًا عن الأساليب التقليدية للقوة العسكرية أو الاقتصادية، تسهم مراكز البحث العلمي في بناء الصورة الإيجابية للدول، وتعزيز قدرتها …

مراكز البحث العلمي قوة ناعمة: رهان استراتيجي لتعزيز النفوذ والتأثير الدولي
مراكز البحث العلمي قوة ناعمة: رهان استراتيجي لتعزيز النفوذ والتأثير الدولي
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في عالم اليوم، حيث تلعب المعرفة والابتكار دورًا حاسمًا في تشكيل مستقبل الدول، أصبحت مراكز البحث العلمي أحد أبرز أدوات “القوة الناعمة” التي تعتمدها الدول لتعزيز نفوذها على الساحة الدولية. فبعيدًا عن الأساليب التقليدية للقوة العسكرية أو الاقتصادية، تسهم مراكز البحث العلمي في بناء الصورة الإيجابية للدول، وتعزيز قدرتها على التأثير في القرارات الدولية من خلال إنتاج المعرفة وتطوير الحلول للمشكلات العالمية.
ساهمت مراكز البحث العلمي في تطوير التقنيات المتقدمة في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، الطاقة المتجددة، والصحة العامة. على سبيل المثال، خلال أزمة جائحة كوفيد-19، لعبت مراكز الأبحاث دورًا محوريًا في إيجاد لقاحات فعالة، ما منح الدول التي تمتلك هذه المراكز نفوذًا دوليًا قويًا. الولايات المتحدة، عبر معاهدها البحثية مثل معهد جونز هوبكنز، عززت مكانتها كدولة رائدة في المجال الطبي والعلمي، بينما استخدمت الصين مراكزها البحثية في تطوير لقاح “سينوفارم” لتعزيز علاقاتها الدبلوماسية مع عدة دول نامية عبر “دبلوماسية اللقاح”.
تعتبر أوروبا نموذجًا آخر في استثمار البحث العلمي كقوة ناعمة، حيث تعتمد دول مثل ألمانيا وفرنسا على جامعاتها ومختبراتها البحثية لتعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع دول أخرى. على سبيل المثال، تحظى ألمانيا بتقدير عالمي بفضل برامجها البحثية المتقدمة في الهندسة والطاقة المتجددة، ما يجعلها شريكًا مفضلًا للعديد من الحكومات والشركات العالمية.
على الصعيد العربي، بدأت بعض الدول في إدراك أهمية البحث العلمي كوسيلة لتعزيز حضورها الدولي. فالمغرب، على سبيل المثال، شهد تطورًا في مراكز الأبحاث الخاصة بالطاقة المتجددة، حيث يحتضن معهد البحث في الطاقة الشمسية والطاقات المتجددة مشاريع رائدة جعلت المملكة نموذجًا في التحول الطاقي بإفريقيا. من جهة أخرى، تعتمد الإمارات العربية المتحدة على مدينة مصدر للابتكار لجذب الباحثين والمستثمرين، ما يعزز مكانتها كقوة ناعمة في مجال التنمية المستدامة.
على المستوى الاجتماعي، تسهم مراكز البحث في خلق بيئة فكرية وثقافية تدعم الحوار والانفتاح. فقد لعبت مراكز الدراسات السياسية والاستراتيجية دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر بين الدول المتنازعة، وساهمت في تقديم توصيات ساعدت في تسوية العديد من الأزمات الدبلوماسية. أحد الأمثلة البارزة هو الدور الذي لعبته معاهد البحث في النرويج في التوسط لحل النزاع بين الحكومة الكولومبية وجماعة “فارك”، والذي أفضى إلى توقيع اتفاق سلام تاريخي عام 2016.
اقتصاديًا، يشكل البحث العلمي أحد المحركات الرئيسية للتنمية المستدامة، حيث يؤدي إلى تطوير صناعات جديدة وتوفير فرص عمل ذات قيمة مضافة عالية. فعلى سبيل المثال، تُقدر مساهمة قطاع البحث والابتكار في الاقتصاد الأمريكي بنحو 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعكس دوره في خلق الثروة وتعزيز النمو. في المقابل، لا تزال الدول العربية تنفق أقل من 1% من ناتجها المحلي على البحث العلمي، وهو ما يشكل تحديًا أمام تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز القوة الناعمة للمنطقة.
على المستوى القانوني، تواجه مراكز البحث العلمي تحديات تتعلق بحقوق الملكية الفكرية والتمويل، حيث تسعى الدول إلى حماية إنتاجها العلمي من القرصنة أو الاستغلال غير المشروع. كما أن بعض الحكومات تستخدم البحث العلمي كأداة للضغط السياسي، مثلما حدث عندما فرضت الولايات المتحدة قيودًا على التعاون العلمي مع الصين بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي.
رغم هذه التحديات، يبقى البحث العلمي أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي يمكن للدول استثمارها لتعزيز مكانتها العالمية. فالدول التي تستثمر في المعرفة والابتكار لا تكتفي فقط بتطوير اقتصاداتها، بل تبني لنفسها نفوذًا طويل الأمد قادرًا على التأثير في السياسات العالمية.
في هذا السياق، يجب على الدول العربية، بما فيها المغرب، تعزيز استثماراتها في البحث العلمي، من خلال تطوير مراكز أبحاث قوية، وتحفيز التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص، ودعم الباحثين وتشجيع الابتكار. فقط عبر هذا المسار، يمكن للدول العربية الانتقال من موقع التلقي إلى موقع التأثير والمساهمة الفعالة في صناعة المستقبل العالمي.