لطالما كان المغاربة مرتبطين بملوكهم ارتباطًا عميقًا، علاقة تتجاوز حدود السلطة لتصل إلى قلوب الناس في كل زمان ومكان. هذا الارتباط العميق ظل قائمًا حتى في أكثر الأوقات صعوبة، حين كانت رؤية الملك صعبة أو نادرة. وكما ذكر الخبير في العلوم الإنسانية عبد الله بوصوف، “المغاربة عُرفوا بارتباطهم الشديد بملوكهم حتى في الأوقات التي كانت رؤيتهم نادرة أو متعسرة”، وأضاف أن الذاكرة الشعبية تحتفظ بحكايات عن خرجات الملوك ليلاً للتعرف عن قرب على أحوال الشعب. هذا الارتباط القوي مع الملك ليس مجرد تقليد تاريخي، بل هو امتداد عميق للبيعة التي تحمل معاني دينية وروحية وسياسية واجتماعية عميقة.
في مقال له بعنوان “في ليلة القدر التف المغاربة حول أمير المؤمنين”، قال بوصوف: “البيعة والعروة الوثقى، بكل ما تحمله من رمزيات دينية وروحية وسياسية واجتماعية، هي الكلمة السحرية لهذا الارتباط. كل الملوك والسلاطين المغاربة انفردوا بأسلوبهم الخاص في التعامل مع الشعب”. ولعل أسلوب الملك محمد السادس في قيادته، منذ توليه العرش في 1999، يمثل تجسيدًا حيًا لهذا التوجه الذي يقوم على الشفافية والتفاعل المباشر مع الشعب. لقد عزز مفهوم البيعة من خلال جولات ميدانية، ملامسة احتياجات المواطنين، وحرصه على الإصلاحات التي تشارك فيها الأمة كلها، من مدونة الأسرة إلى مشاريع التنمية المستدامة.
وقد أضاف بوصوف في مقاله أنه “كلما تطورت وسائل الاتصال، سواء كانت إذاعات أو شبكات تواصل اجتماعي، تزايد الانفتاح على حياة الملوك، بما في ذلك لحظاتهم الصحية. ولم يعد مرض الملوك سرا، بل أصبح جزءًا من تفاعلهم مع شعوبهم”. وذكر أمثلة من تاريخ الملكية العالمية مثل الملكة إليزابيث الثانية، التي تبنت شعار “Never complain, never explain”، وكذلك الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت الذي قاد الحرب العالمية الثانية على كرسي متحرك.
وفي هذه السياقات، يبرز الملك محمد السادس في صورة مختلفة، حيث لم يكن أي من مرضاته الصحية ليمنعه من الوفاء بمسؤولياته. ففي ليلة القدر المباركة، وفي وقت كان يمر فيه بوعكة صحية بعد عملية جراحية، كان جالسًا لأداء الصلاة، وسط جموع من المصلين. هذا المشهد كان يحمل أكثر من مجرد صورة للملك يؤدي عبادته، بل كان يمثل رمزية العزيمة والإصرار على أداء الواجب في أصعب الظروف. وكما يقول بوصوف في مقاله، “فصلاته في وضعية الجلوس في ليلة مباركة حملت أكثر من معنى، فهو أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين، وهو القدوة المؤمنة في إقامة فريضة الصلاة جلوسًا تبعا لقوله تعالى: ‘الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم’.”
هذا المشهد كان له تأثير كبير في نفوس المغاربة، حيث أن ملايين المواطنين تابعوا لحظة الصلاة تلك، متوجهين بالدعاء للملك بالشفاء العاجل. فقد كانت تلك اللحظة أكثر من مجرد طقوس دينية؛ كانت لحظة تلاحم بين الشعب وملكهم، كما كانت ردًا قويًا على حملات التشكيك التي انتشرت حول حالته الصحية.
وبالإضافة إلى ذلك، حافظ الملك محمد السادس على تواصله المستمر مع الشعب حول حالته الصحية، وهو ما يعكس، كما أشار بوصوف، “إحدى أقوى الثورات الهادئة في تاريخ المؤسسة الملكية”. ففي سنوات حكمه، اختار الملك أن يكون قريبًا من شعبه، يتبادل معهم لحظات الفرح والألم، ولم يكن المرض ليكون حاجزًا بينه وبين الواجب الذي يراه شرفًا وحقًا.
يستعرض بوصوف أيضًا كيف أن المغربيين، في الداخل والخارج، عبروا عن تلاحمهم وولائهم للملك، في وقت كانت فيه بعض الأخبار الزائفة تتناثر هنا وهناك. من الصحف الوطنية إلى منصات التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى الملاعب الرياضية حيث هتف الجمهور باسم الملك في مباراة بمدينة وجدة، كان الرد الشعبي واضحًا: الملك هو رمز الوحدة والوفاء.
الملك محمد السادس، الذي يعد جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المغرب، ظل قائدًا محنكًا رغم كل الظروف، سواء كان في حالته الصحية أو في أدائه لمهامه. من استقبال الرئيس الفرنسي إلى ترؤس مناسبات دينية هامة مثل صلاة العيد وصلاة ليلة القدر، بقي الملك ثابتًا في خدمة شعبه. هذه اللحظات الإنسانية تذكرنا بتلك اللحظات التي عايشها المغاربة مع ملوكهم عبر الأجيال، من الحسن الثاني رحمه الله إلى محمد السادس، حيث كانت تلك اللحظات دائما تسلط الضوء على النبل والوفاء الذي يرتكز عليه العرش المغربي.
في الختام، إن الملك محمد السادس يظل مثالاً للقائد الذي يضع الوطن والمواطن في قلب أولوياته، مهما كانت التحديات. في ليلة القدر، كما في كل لحظة من حياته، أظهر للعالم أن القيادة الحقيقية لا تأتي فقط من القوة، بل من التفاني في خدمة الشعب رغم كل الظروف.

