بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
لم تعد النزاعات المرتبطة بعقود المقاولات الكبرى مجرد خلافات تقنية حول الإنجاز أو التأخير، بل أصبحت اليوم معارك مالية وقانونية معقدة قد تقلب موازين المشاريع وتحوّل عقود التنفيذ إلى ملفات تحكيمية ضخمة تتجاوز فيها التعويضات مئات الملايين. وفي عالم المشاريع العملاقة، خصوصاً تلك الخاضعة لعقود FIDIC، لم يعد الخطر الحقيقي في فشل التنفيذ فقط، بل في سوء إدارة المطالبات، وأوامر التغيير، وتمديد الآجال، والتكاليف غير المباشرة، والآثار المالية المترتبة عن التعثرات الزمنية والفنية.
وقد أعادت القضية التحكيمية الشهيرة المرتبطة بمشروع “دار القبلة” بالسعودية تسليط الضوء على هذه الإشكالات، بعدما انتهى النزاع بحكم تحكيمي تجاوز 154 مليون ريال سعودي لفائدة مجموعة بن لادن السعودية، في واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بعقود المقاولات الكهروميكانيكية المعقدة.
النزاع لم يبدأ كأزمة مالية ضخمة، بل انطلق من تفاصيل تبدو في ظاهرها تقنية ومألوفة داخل المشاريع الكبرى: أوامر تغيير، تمديد مدة الإنجاز، تأخر في التنفيذ، تغير أسعار، مصاريف تشغيل إضافية، وخلافات حول مدى أحقية المقاول في التعويض. غير أن تراكم هذه العناصر داخل مشروع ضخم ومعقد، وغياب إدارة دقيقة للمطالبات التعاقدية، حول الملف إلى واحدة من أعنف المعارك التحكيمية في قطاع المقاولات.
وتكشف هذه القضية حقيقة جوهرية غالباً ما يتم تجاهلها في العديد من المشاريع العربية، وهي أن عقود المقاولات الحديثة لا تُدار فقط بالهندسة والورشات، بل تُدار أيضاً بالقانون والمالية والتحليل الزمني وإدارة المخاطر. فالمقاول الذي لا يوثق أوامر التغيير بشكل دقيق، أو لا يحتفظ بمراسلاته، أو لا يثبت الأضرار الزمنية والمالية الناتجة عن التمديد والتأخير، قد يجد نفسه أمام خسائر كارثية أو أمام تعويضات ضخمة لصالح الطرف الآخر.
ومن أبرز ما أثار الجدل في هذا النزاع، أن الطرف الخاسر كان يعتقد أن العقد يمنع أي تعويض مالي، وأن أقصى ما يمكن للمقاول المطالبة به هو “تمديد الوقت فقط”، استناداً إلى بعض بنود الاتفاقية المتعلقة بأوامر التغيير والتمديد. غير أن هيئة التحكيم كان لها تفسير مختلف، واعتبرت أن الأضرار الفعلية الناتجة عن التمديد والتأخير والمصاريف غير المباشرة تستوجب التعويض، خاصة بعد الخبرة الفنية والمالية التي تم الاعتماد عليها في الملف.
وهنا تظهر خطورة الصياغة التعاقدية غير الدقيقة في عقود المشاريع الكبرى، لأن بعض المؤسسات تركز فقط على الجوانب التقنية والهندسية، بينما تهمل البعد القانوني والمالي للتحكيم والمطالبات المستقبلية. ففي مشاريع بمئات الملايين، قد تتحول عبارة غامضة أو بند غير واضح إلى أساس لتحكيم دولي يهدد التوازن المالي الكامل للمشروع.
كما أبرزت القضية أهمية الخبرة الفنية والتحليل الزمني في النزاعات الهندسية، إذ لم تعتمد هيئة التحكيم فقط على النصوص، بل اعتمدت أيضاً على تقارير الخبراء المتعلقة بالتأخير، والتكاليف الإدارية غير المباشرة، والخسائر التشغيلية، ومدى تأثير أوامر التغيير على الجدول الزمني للمشروع. وهو ما يؤكد أن النزاعات الحديثة في قطاع البناء أصبحت هجينة تجمع بين القانون والهندسة والمالية وإدارة المشاريع.
ومن الزاوية الاقتصادية، فإن هذه النزاعات تطرح إشكالية أكبر تتعلق بكلفة ضعف الحكامة التعاقدية في المشاريع العمومية والخاصة. فالتأخير في اتخاذ القرار، أو سوء تنسيق أوامر التغيير، أو غياب إدارة محترفة للعقود، قد يؤدي إلى تضخم التكاليف بشكل خطير، ويحوّل المشروع من فرصة استثمارية إلى عبء مالي وقانوني ثقيل.
وفي المقابل، أظهرت المحكمة التجارية بجدة توجهاً قضائياً داعماً للتحكيم، عندما رفضت أغلب أسباب البطلان وأبقت على الجزء الأكبر من الحكم التحكيمي، معتبرة أن المحكمة لا تعيد مناقشة موضوع النزاع أو تقييم الوقائع الفنية، بل تراقب فقط مدى احترام هيئة التحكيم للقانون ووثيقة التحكيم.
وهذا التوجه يعكس التحول العالمي في فلسفة القضاء التجاري، حيث أصبحت الأنظمة الاقتصادية الكبرى تعتبر التحكيم أداة استراتيجية لجذب الاستثمار، وليس مجرد آلية قانونية بديلة. فالمستثمر الدولي لا يبحث فقط عن البنية التحتية أو الحوافز الضريبية، بل يبحث أيضاً عن نظام قانوني سريع ومستقر وقادر على حماية العقود وتسوية النزاعات بكفاءة.
وفي المغرب، ومع التطور المتسارع للبنية التحتية والطاقة والاستثمارات الصناعية والسياحية، أصبحت الحاجة ملحة إلى تعزيز ثقافة إدارة العقود والمطالبات والتحكيم داخل المقاولات والإدارات والمؤسسات العمومية. لأن العديد من النزاعات لا تنشأ بسبب سوء النية، بل بسبب غياب التوثيق، وضعف التتبع الزمني، وعدم فهم الآثار القانونية لأوامر التغيير والتمديد.
كما أن المشاريع الكبرى الحديثة لم تعد تتحمل الإدارة التقليدية، بل أصبحت تحتاج إلى فرق متخصصة تجمع بين مهندسي التخطيط، وخبراء الـ Claims، والمحامين، والمحاسبين، وخبراء التحكيم، من أجل حماية التوازن المالي والقانوني للمشروع منذ بدايته، وليس بعد انفجار النزاع.
وفي هذا الإطار، يواصل المركز الدولي للدراسات والبحث العلمي المتعدد التخصصات تعزيز إشعاعه الأكاديمي والمهني من خلال الانفتاح على قضايا التحكيم التجاري الدولي، وإدارة المطالبات الهندسية، وحوكمة المشاريع الكبرى، بما يساهم في نشر الثقافة القانونية والتقنية الحديثة بمدينة الرشيدية وربط البحث العلمي بالتحديات الواقعية لعالم الاستثمار والمقاولات.
لقد أصبحت معارك التحكيم في مشاريع البناء والطاقة والبنية التحتية اليوم جزءاً من الاقتصاد العالمي نفسه، وأصبح نجاح المشروع لا يقاس فقط بسرعة الإنجاز، بل أيضاً بقدرة الأطراف على إدارة المخاطر التعاقدية قبل أن تتحول إلى زلازل مالية وقضائية بمئات الملايين.

