مباشر
لكل حادث حديت

مجلس المنافسة بالمغرب.. هل هو “دركي” أم “حكيم”

مجلس المنافسة بالمغرب.. هل هو “دركي” أم “حكيم” بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير،مارس2026. لم تكن الزيادات الاخيرة في اسعار المحروقات مجرد ارقام عابرة على شاشات محطات التوزيع، بل كانت بمثابة الصدمة التي اعادت بعث السؤال المؤرق حول جدوى المؤسسات الدستورية التي وضعت لحماية المواطن من شطط الاسواق. ومع كل ارتفاع ينهش القدرة الشرائية للمغاربة، …

مجلس المنافسة بالمغرب.. هل هو “دركي” أم “حكيم”
مجلس المنافسة بالمغرب.. هل هو “دركي” أم “حكيم”
شارك

مجلس المنافسة بالمغرب.. هل هو “دركي” أم “حكيم”

بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين ،اكادير،مارس2026.

لم تكن الزيادات الاخيرة في اسعار المحروقات مجرد ارقام عابرة على شاشات محطات التوزيع، بل كانت بمثابة الصدمة التي اعادت بعث السؤال المؤرق حول جدوى المؤسسات الدستورية التي وضعت لحماية المواطن من شطط الاسواق.

ومع كل ارتفاع ينهش القدرة الشرائية للمغاربة، تتجه الانظار تلقائيا نحو مجلس المنافسة، تلك المؤسسة التي ولدت من رحم الدستور لتعكس ارادة ملكية في تخليق الحياة الاقتصادية، لكنها اليوم تجد نفسها في قفص الاتهام الشعبي، بين هوية ضائعة كدركي يملك الصلاحيات الزجرية، وبين دور الحكيم الذي يكتفي بتقديم المواعظ والتقارير في وقت يحتاج فيه السوق الى صدمات علاجية حقيقية.

ان التيه الذي يعيشه المجلس حاليا ينبع من التناقض الصارخ بين ترسانته القانونية القوية ونتائجه الميدانية الهلامية، فالمواطن الذي استبشر خيرا بتعيين اعضاء المجلس من طرف جلالة الملك، كان ينتظر ان يرى انكسارا في منحنى الاسعار او لجم لجشع اللوبيات، غير انه اصطدم بواقع مغاير تماما.

فالمجلس الذي استعرض عضلاته في ملف المحروقات وانتهى بصلح ملياري مع الشركات، لم يستطع ان يترجم تلك الغرامات الى انخفاض ملموس في الفاتورة اليومية للمستهلك، مما جعل ذلك الانتصار القانوني يبدو في نظر الفاعل المدني مجرد تسوية مالية ضخت اموالا في خزينة الدولة دون ان تضمد جراح جيوب المواطنين.

هذا الوضع كرس صورة مؤسسة مكبلة اليدين امام حيتان الاقتصاد، تتقن تشخيص الداء في تقارير دورية انيقة حول الادوية والتعليم الخصوصي وزيوت المائدة، لكنها تفتقد للجسارة السياسية والادوات التنفيذية التي تجعل من تلك التقارير قرارات ملزمة تغير واقع الاحتكار.

لقد فقد المجلس تدريجيا تلك الهيبة التي كان من المفترض ان تشكل رادعا لكل من تسول له نفسه التلاعب بقواعد المنافسة الشريفة، فبين دوره الاستشاري الذي يظل حبيس الرفوف الحكومية ودوره التقريري الذي يغرق في متاهات المساطر القانونية الطويلة، تبخر الاثر الملموس على ارض الواقع.

واليوم، لم يعد كافيا ان يطل علينا المجلس بارقام حول عمليات التركيز الاقتصادي او تحليلات تقنية معقدة، فالثقة المفقودة بين المؤسسة والشارع لن تستعاد الا حين يشعر المواطن البسيط بان هناك سلطة عليا قادرة على وقف نزيف جشعه، وبان صفارة هذا الدركي ليست مجرد صوت في واد، بل هي انذار حقيقي ينهي زمن الريع والامتيازات ويؤسس لعدالة اقتصادية يلمسها الناس في خبزهم اليومي وقودهم ودائهم.