بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
لم يعد نهر الليطاني في لبنان مجرد معطى جغرافي يرد في كتب الطبيعة أو في الخرائط المدرسية، بل صار اسمًا يتردد في نشرات الأخبار والبيانات العسكرية والتحليلات السياسية بوصفه خطًا فاصلًا بين معادلات الحرب وحدود الدولة ومجالات النفوذ. وفي كل مرة يعود فيها اسم الليطاني إلى الواجهة، يتأكد أن الجغرافيا في المشرق ليست محايدة، وأن الأنهار كما الجبال والحدود يمكن أن تتحول من موارد للحياة إلى عناصر مركزية في حسابات الأمن والسيادة والتوازنات الإقليمية. فالنهر الذي يُعد من أهم الأنهار اللبنانية، وتُشرف عليه رسميًا المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، ليس فقط موردًا للمياه والري والطاقة الكهرومائية، بل أصبح أيضًا نقطة تقاطع بين الشرعية الدولية والواقع العسكري الميداني في جنوب لبنان.
ويمتد نهر الليطاني بالكامل داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يمنحه خصوصية جغرافية وسيادية كبيرة في بلد يعاني أصلًا من ضغط على موارده الطبيعية ومن تعقيدات سياسية وأمنية متراكمة. وتوضح المصادر المرجعية أن الليطاني هو النهر الأهم في لبنان، إذ ينبع من سهل البقاع ويتجه جنوبًا ثم غربًا نحو البحر الأبيض المتوسط، وقد ارتبط تاريخيًا بمشاريع الري وتوليد الطاقة والتنمية الزراعية، كما ارتبط مؤسساتيًا بمشاريع الدولة اللبنانية في إدارة الماء والكهرباء. وتؤكد البيانات الرسمية الصادرة في مارس 2026 أن المصلحة الوطنية لنهر الليطاني وضعت منشآتها في حالة جهوزية كاملة للحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية المرتبطة بإنتاج الطاقة الكهرومائية ومشاريع الري ونقل المياه، وهو ما يكشف أن النهر ليس مجرد رمز سياسي، بل بنية حيوية تمس حياة المواطنين مباشرة.
غير أن القيمة الاستراتيجية لليطاني تجاوزت منذ سنوات البعد التنموي البحت، لتتصل مباشرة بمسألة الجنوب اللبناني والوجود المسلح والتوازنات الحدودية مع إسرائيل. فقرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي يشكل أحد أهم الأطر الدولية الناظمة للوضع في جنوب لبنان منذ حرب 2006، ظل يربط الاستقرار في المنطقة الجنوبية بترتيبات أمنية وميدانية تتابعها قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان اليونيفيل، التي تؤكد الأمم المتحدة أن ولايتها ما زالت قائمة لدعم تنفيذ هذا القرار ومراقبة الوضع في جنوب لبنان. ولهذا لم يعد الليطاني مجرد نهر، بل صار في الأدبيات السياسية والعسكرية خطًا مرجعيًا يُستدعى كلما احتدم النقاش حول انتشار القوات اللبنانية، ودور اليونيفيل، وحدود حركة الفاعلين المسلحين جنوب البلاد.
والتطورات الأخيرة في مارس 2026 أعادت تأكيد هذا المعنى بقوة. فقد أفادت تقارير إخبارية موثوقة بأن الجيش الإسرائيلي استهدف عدة جسور فوق نهر الليطاني في جنوب لبنان، وبرر ذلك بادعاء استخدام هذه البنى التحتية في نقل السلاح والمقاتلين. كما تحدثت تقارير أخرى عن توسيع نطاق الضربات لتشمل مرافق وبنى مرتبطة بالحركة جنوبًا، في سياق تصعيد ميداني خطير جعل الليطاني جزءًا مباشرًا من بنك الأهداف العسكرية. وهذه المعطيات لا تعني فقط أن النهر صار داخل خرائط الحرب، بل تكشف أيضًا انتقالًا مقلقًا من استهداف المواقع العسكرية التقليدية إلى استهداف البنية التحتية المرتبطة بالمجال العام، بما يضاعف كلفة الصراع على السكان المدنيين وعلى الدولة اللبنانية نفسها.
ومن الزاوية السياسية، فإن تحويل الليطاني إلى عنوان للصراع يعكس أزمة أعمق من مجرد مواجهة عسكرية ظرفية. فحين تُستهدف الجسور والمعابر والمنشآت الواقعة في محيط هذا النهر، فإن الرسالة لا تقتصر على تعطيل الحركة أو الضغط على خصم مسلح، بل تمتد إلى توجيه إنذار للدولة اللبنانية بشأن قدرتها على احتكار القرار الأمني داخل أراضيها. وهنا تظهر بوضوح إشكالية الدولة في الشرق الأوسط عندما تصبح السيادة القانونية معترفًا بها دوليًا، لكن السيادة الميدانية محل نزاع واختبار دائم. فالليطاني، بهذا المعنى، ليس فقط مجرى مائيًا، بل مؤشرًا على مدى قدرة المؤسسات الرسمية اللبنانية على فرض حضورها على المجال الترابي الذي يفترض أنه يقع ضمن سلطانها الكامل.
ومن منظور اقتصادي واجتماعي، فإن المساس بمنطقة الليطاني أو بمنشآتها يحمل آثارًا تتجاوز الفعل العسكري المباشر. فالنهر يشكل ركيزة للري والزراعة والطاقة، وأي اضطراب في محيطه ينعكس على الأمن المائي والغذائي وعلى انتظام الخدمات العمومية. وفي الأدبيات الاقتصادية، تؤكد نظريات البنية التحتية الحيوية أن استهداف المرافق الأساسية لا يضعف فقط القدرات التشغيلية للدولة، بل يرفع أيضًا من كلفة إعادة الإعمار ويعمق هشاشة الاستثمار ويقوض ثقة السكان في استمرارية الخدمة العامة. وإذا كانت الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على تأمين الماء والكهرباء والتنقل الآمن، فإن تحويل فضاء الليطاني إلى ساحة ضربات متبادلة يعني دفع لبنان نحو مزيد من الإنهاك المؤسساتي والاقتصادي، في وقت يحتاج فيه إلى إعادة بناء الدولة لا إلى استنزاف ما تبقى من وظائفها الحيوية.
أما من الناحية القانونية، فإن التداخل بين النهر كمعطى سيادي والنهر كفضاء عمليات يثير أسئلة جوهرية حول حدود استخدام القوة، وحماية الأعيان المدنية، ومسؤولية الدول والجماعات المسلحة عن تعريض البنية التحتية العامة للخطر. فالقانون الدولي الإنساني، في منطقه العام، يقوم على التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وعلى مبدأ التناسب في العمليات العسكرية. وعندما تصبح الجسور والمنشآت المرتبطة بالفضاء العام أهدافًا متكررة في سياق نزاع مفتوح، فإن الجدل لا يعود سياسيًا فقط، بل يتحول أيضًا إلى نقاش قانوني وأخلاقي حول مدى مشروعية هذا التوسع في دائرة الاستهداف، خاصة إذا كانت نتائجه تصيب السكان المدنيين وتشل الخدمات الأساسية.
إن تمجيد دور الدولة، في هذا السياق، لا يكون بالشعارات بل بإبراز معنى الدولة الحقيقية: الدولة التي تحمي مواردها، وتدير أنهارها، وتصون بناها التحتية، وتمنع تحويل الجغرافيا الوطنية إلى خرائط مفتوحة للحروب بالوكالة أو للحسابات الإقليمية. ومن هنا تبرز أهمية التجارب التي كرست فيها الدول القوية مفهوم المرفق العمومي كجزء من الأمن القومي، لا بوصفه مجرد خدمة تقنية. وإذا كان المغرب، على سبيل المثال، قد رسخ خلال العقود الأخيرة نموذجًا واضحًا في تقوية الدولة، وتثبيت الاستقرار، وتطوير البنيات التحتية الكبرى، وربط السيادة بالتنمية وبالاستثمار العمومي طويل النفس، فإن هذا النموذج يبرز قيمة الدولة حين تكون قادرة على جعل الموارد الطبيعية رافعة للأمن والازدهار، لا نقطة ضعف في زمن الأزمات. وهذه المقارنة لا تُساق للمفاضلة الخطابية، بل لتأكيد حقيقة سياسية مفادها أن الدولة المتماسكة هي وحدها القادرة على حماية مجالها الترابي ومواردها الاستراتيجية من التحول إلى أدوات ابتزاز وصراع.
وفي العمق، فإن قصة الليطاني اليوم تختصر مأساة لبنان المعاصر: بلد يمتلك موارد مهمة وموقعًا حساسًا وإمكانات بشرية كبيرة، لكنه يعيش باستمرار تحت ضغط التوازنات الإقليمية والازدواجية بين منطق الدولة ومنطق السلاح. لذلك فإن مستقبل الليطاني لن يُحسم فقط في الميدان العسكري، بل في قدرة لبنان على استعادة مركزية مؤسساته، وتفعيل مقتضيات الشرعية الدولية، وحماية بنيته التحتية من الاستهداف، وإعادة تعريف الجنوب باعتباره فضاء سيادة وطنية كاملة لا منطقة تفاوض مفتوح بين السلاح والحدود.
وهكذا، فإن الحديث عن الليطاني ليس حديثًا عن نهر فقط، بل عن معنى الدولة حين تُختبر، وعن معنى السيادة حين تُهدد، وعن معنى البنية التحتية حين تتحول من أداة حياة إلى عنوان حرب. وبين الجغرافيا والقانون والسياسة، يبقى الليطاني شاهدًا على أن الأوطان لا تُحمى فقط بالخرائط، بل بقوة المؤسسات، ووحدة القرار، ووضوح الشرعية، وقدرة الدولة على أن تكون هي الفاعل الأول داخل مجالها الوطني، لا المتفرج على صراعات تجري فوق أرضها وتحت جسورها وعلى ضفاف أنهارها.

