مباشر
لكل حادث حديت

في عبث المقاول الذاتي… حين تُفرّغ الكرامة من مضمونها

أصبح نظام “المقاول الذاتي”، الذي جاء به القانون رقم 114.13، أداةً تُستعمل خارج سياقه القانوني، في ما يمكن اعتباره انزلاقاً خطيراً نحو شرعنة التهرب من الالتزامات الاجتماعية والجبائية. النظام الذي وُضع لتشجيع المبادرة الفردية ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل، صار اليوم، في يد عدد متزايد من المقاولات، وسيلة للتحايل على مدونة الشغل، والالتفاف على الحقوق الأساسية …

في عبث المقاول الذاتي… حين تُفرّغ الكرامة من مضمونها
شارك

أصبح نظام “المقاول الذاتي”، الذي جاء به القانون رقم 114.13، أداةً تُستعمل خارج سياقه القانوني، في ما يمكن اعتباره انزلاقاً خطيراً نحو شرعنة التهرب من الالتزامات الاجتماعية والجبائية. النظام الذي وُضع لتشجيع المبادرة الفردية ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل، صار اليوم، في يد عدد متزايد من المقاولات، وسيلة للتحايل على مدونة الشغل، والالتفاف على الحقوق الأساسية للأجراء.

إننا أمام واقع صادم: متقاعدون يستفيدون من معاشاتهم من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، يُعاد إدماجهم في نفس المقاولات التي تقاعدوا منها، لكن بصفة “مقاولين ذاتيين”، لا يتم التصريح بهم ولا يضمن لهم أي غطاء اجتماعي حقيقي. هذا خرق صريح لمقتضيات الفصل 31 من الدستور، الذي ينص على أن “الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية، والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية…”

كما أن فرض بطاقة المقاول الذاتي كشرط للولوج إلى العمل يشكل مساساً بمبدأ الكرامة الذي نص عليه الفصل 1 من الدستور باعتباره أحد ركائز الاختيار الديمقراطي، ويُعدّ ضرباً لمبدأ تكافؤ الفرص الذي أقره الفصل 35، وهو كذلك انتهاك واضح لمقتضيات مدونة الشغل التي تُعرّف العلاقة الشغلية من خلال التبعية القانونية والاقتصادية، لا من خلال شكل التعاقد فقط.

هذا الوضع يُفقد بطاقة المقاول الذاتي روحها الأصلية، ويجعلها غطاء قانونياً لانتهاك حقوق العمال، ووسيلة لتقويض مكتسبات اجتماعية تم انتزاعها بنضال طويل. وهو ما يفرض على السلطات العمومية، وعلى رأسها وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى، إلى جانب الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تفعيل آليات الرقابة، وتحيين النصوص التنظيمية بما يمنع استعمال هذه البطاقة خارج سياقها، وتحصين كرامة المواطن المغربي، التي يكرّسها الفصل 22 من الدستور، والذي يمنع المعاملة القاسية أو الحاطة من الكرامة الإنسانية تحت أي ظرف.

ما يجري اليوم ليس فقط انحرافاً قانونياً، بل تهديد لبنية العدالة الاجتماعية التي يقوم عليها النموذج التنموي الجديد. وإذا لم يتم التصدي لهذا النزيف، فإننا مقبلون على مرحلة تُفكك فيها العلاقة الشغلية، وتُسَوَّق فيها هشاشة الشغل كخيار “حر”، وهي في الواقع استعباد عصري مقنع، بثوب قانوني ممزق.

الحكومة مُطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالخروج من صمتها، وإعادة الأمور إلى نصابها القانوني والدستوري، قبل أن يصبح “المقاول الذاتي” رمزاً لتحلل الدولة من التزاماتها الاجتماعية، بدل أن يكون عنواناً للكرامة والتمكين الاقتصادي.