بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
يشهد المغرب في المرحلة الراهنة تحولات عميقة في مجال البنية التحتية الرقمية، حيث أصبحت مسألة الولوج إلى الإنترنت عالي الصبيب ليست مجرد خدمة تقنية، بل رافعة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأداة أساسية لتعزيز العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الحواضر والمناطق القروية. وفي هذا السياق، يبرز مشروع إدماج خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التي تقدمها شركة Starlink التابعة لمجموعة SpaceX، كتحول نوعي يعكس تقاطع التكنولوجيا مع السياسات العمومية ورهانات السيادة الرقمية.
إن هذا التوجه يندرج ضمن رؤية استراتيجية شمولية للمملكة تهدف إلى تسريع الإدماج الرقمي، خاصة في أفق الاستحقاقات الدولية الكبرى وعلى رأسها كأس العالم 2030، حيث يشكل توفير بنية رقمية متطورة أحد المرتكزات الأساسية لإنجاح هذا الحدث العالمي. فالمغرب لم يعد ينظر إلى الرقمنة كخيار، بل كضرورة حتمية تفرضها ديناميات الاقتصاد العالمي، وهو ما يتقاطع مع النظرية الاقتصادية الحديثة التي ترى في الاستثمار في البنية التحتية الرقمية محركاً أساسياً للنمو، من خلال ما يُعرف بـ“اقتصاد الشبكات” (Network Economy)، حيث تزداد القيمة الاقتصادية كلما توسعت قاعدة المستخدمين وتكثفت الروابط الرقمية.
من زاوية اجتماعية، يندرج مشروع الإنترنت الفضائي ضمن مقاربة العدالة المجالية، حيث يمكن أن يشكل حلاً جذرياً لإشكالية “الفجوة الرقمية” التي تعاني منها بعض المناطق النائية، خصوصاً في الأقاليم الجنوبية. فإمكانية توفير اتصال عالي الجودة دون الحاجة إلى بنية تحتية أرضية مكلفة، ينسجم مع نظرية “رأس المال الاجتماعي الرقمي” التي تؤكد أن الولوج إلى المعلومات والمعرفة يعزز من قدرات الأفراد والمجتمعات على الاندماج في الدورة الاقتصادية، ويقوي من فرص التعليم عن بعد، والخدمات الصحية الرقمية، وريادة الأعمال المحلية.
أما من الناحية القانونية، فإن دخول فاعل دولي بحجم Starlink إلى السوق المغربي يطرح إشكالات تنظيمية دقيقة، تتعلق بالسيادة الرقمية، وحماية المعطيات، وأمن الأنظمة المعلوماتية. وهنا يبرز الدور المحوري لكل من الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات في تقييم الجوانب التقنية والأمنية، وضمان احترام القوانين الوطنية، بما يتماشى مع المدرسة القانونية التي توازن بين حرية الاستثمار وحماية النظام العام الرقمي. فالقانون هنا لا يواكب التكنولوجيا فقط، بل يؤطرها ويضمن انسجامها مع المصالح الاستراتيجية للدولة.
كما لا يمكن إغفال البعد الجيوسياسي لهذا المشروع، حيث تشير بعض التحليلات إلى أن انخراط شركات أمريكية في مشاريع استراتيجية بالمغرب يعكس تقاطع المصالح الاقتصادية مع التوجهات السياسية الدولية، خاصة في ظل الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. غير أن القراءة المهنية تقتضي التعامل مع هذه المعطيات بمنطق المصالح المتبادلة، حيث يسعى المغرب إلى تنويع شركائه التكنولوجيين وتعزيز موقعه كمركز إقليمي للابتكار والاستثمار.
وفي هذا الإطار، يبرز نموذج “الشراكة الذكية” كخيار استراتيجي، حيث لا يقتصر دور الدولة على الترخيص، بل يمتد إلى توجيه الاستثمارات نحو تحقيق القيمة المضافة المحلية، سواء عبر نقل التكنولوجيا، أو خلق فرص الشغل، أو دعم النسيج المقاولاتي الوطني. وهو ما يتقاطع مع المدرسة الاقتصادية التنموية التي تؤكد أن الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية يجب أن يكون مؤطراً بسياسات عمومية تضمن تحقيق التنمية المستدامة.
إن مشروع Starlink، إذا ما تم اعتماده رسمياً، يمكن أن يشكل ثورة حقيقية في مشهد الاتصالات بالمغرب، ليس فقط من حيث تحسين جودة الإنترنت، بل من حيث إعادة تشكيل نموذج الولوج إلى الخدمات الرقمية. غير أن نجاح هذا التحول يظل رهيناً بمدى قدرة الفاعلين المؤسساتيين على تحقيق التوازن بين الانفتاح التكنولوجي والحفاظ على السيادة الرقمية، وبين تسريع الابتكار وضمان الأمن المعلوماتي.
إن المغرب يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة الاتصال الرقمي على أسس جديدة، تجعل من التكنولوجيا أداة للعدالة والتنمية، وليس فقط وسيلة للربط. وبين الطموح المشروع والتحديات الواقعية، يبقى الرهان الأكبر هو تحويل هذه المبادرات إلى مكاسب ملموسة تعود بالنفع على المواطن والاقتصاد الوطني، في إطار رؤية استراتيجية متكاملة تستشرف المستقبل بثقة وواقعية.

