في ظلّ تفشي مظاهر الفوضى في عدد من القطاعات الحيوية ببلادنا، يبرز النقل المدرسي كواحد من أكثر الملفات حساسية، خاصة لما يرتبط به من مسؤولية جسيمة تتعلق بنقل أرواح صغيرة وبريئة كل صباح ومساء. غير أن الواقع اليومي يكشف عن ممارسات صادمة من طرف بعض سائقي سيارات النقل المدرسي، تُنذر بخطر حقيقي يُهدد السلامة الطرقية للتلاميذ ومرافقيهم.
إن المتتبع لحركة النقل المدرسي في عدد من المدن والقرى المغربية، لا يحتاج لكثير من الجهد ليُلاحظ حجم التهور، والأسلوب غير اللائق في السياقة، والمعاملة المشينة التي تصدر عن بعض السائقين. سرعة مفرطة، تجاوزات خطيرة، تجاهل لقانون السير، وسلوك غير أخلاقي في التعامل مع مستعملي الطريق. هؤلاء لا يُدركون – أو لا يُبالون – بأنهم مسؤولون عن حماية أطفال في عمر الزهور، وأن أي لحظة طيش قد تُحول الرحلة المدرسية إلى مأساة.
أين هي المراقبة؟
يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه أولياء الأمور والمهتمون بالشأن التربوي والطرقي هو: أين هي مراقبة الجهات المختصة؟ لماذا لا تخضع مؤسسات النقل المدرسي الخاصة لمراقبة دورية صارمة؟ وهل يتم فعلاً التأكد من كفاءة السائقين النفسية والمهنية قبل تمكينهم من قيادة حافلة مليئة بالتلاميذ؟ إن ترك الحبل على الغارب في مثل هذا الملف هو مقامرة حقيقية بحياة جيل كامل.
نعم، لا يمكن التعميم، فهناك من السائقين من يتحلى بالمسؤولية والانضباط، لكن بعض السلوكات الفردية – التي للأسف أصبحت متكررة – قادرة على أن تسيء للقطاع برمته، وأن تُفقد الآباء ثقتهم في خدمة يُفترض أنها مكملة للعملية التعليمية لا مصدر تهديد لها.
المطلوب اليوم ليس فقط سنّ قوانين جديدة، بل تفعيل المراقبة الفعلية، واعتماد ميثاق وطني لأخلاقيات النقل المدرسي، وإلزامية التكوين المستمر لسائقي هذا النوع من السيارات، مع وضع آليات للتبليغ والمحاسبة في حال ثبوت أي تجاوز أو سلوك غير مسؤول.
أرواح التلاميذ ليست أرقامًا في تقارير الحوادث، بل أمانة ثقيلة تستوجب منا جميعًا – سلطات، آباء، جمعيات، ومجتمع مدني – أن نرفع الصوت عاليًا ونطالب بوضع حد لحالة التسيب التي يعرفها قطاع النقل المدرسي في بلادنا.

