بقلم ذ: توفيق البوناجي
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتشابك فيه المصالح، أصبحت الصحافة أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تظل وفية لرسالتها النبيلة كسلطة رابعة تنقل الحقيقة كما هي، أو أن تنزلق إلى مستنقع الاسترزاق حيث يتحول الخبر إلى سلعة، والقلم إلى أداة للتطبيل والتضليل.
الصحافة النزيهة ليست مجرد مهنة، بل التزام أخلاقي قبل كل شيء. هي بحث دائم عن الحقيقة، حتى وإن كانت مُرّة، ونقل للوقائع دون تزييف أو انحياز. الصحافي النزيه لا يكتب لإرضاء جهة، ولا لتلميع صورة مسؤول، بل يكتب لخدمة المواطن، ليمنحه حقه في المعرفة، ويكشف له ما قد يُحجب عنه. في هذا النموذج، تصبح المصداقية رأس المال الحقيقي، والثقة هي الجسر الذي يربط الصحافة بالجمهور.
في المقابل، برز نوع آخر من الصحافة، يمكن وصفه بـ”صحافة الاسترزاق”، حيث يتم توظيف المنابر الإعلامية لخدمة أجندات ضيقة، سياسية كانت أو اقتصادية. هنا، لا مكان للموضوعية، بل تُصنع الأخبار على المقاس، وتُضخّم الإنجازات الوهمية، ويُغض الطرف عن الإخفاقات. يتحول الصحافي من ناقل للحقيقة إلى صانع للوهم، ومن مراقب للسلطة إلى بوق لها.
هذا الانحراف لم يمر دون ثمن. فقد أدى إلى تآكل ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وأصبح المتلقي يشكك في كل ما يُنشر، حتى الصادق منه. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، زادت الفوضى، واختلطت الحقيقة بالإشاعة، وأصبح من الصعب التمييز بين الخبر المهني والدعاية المقنّعة.
إن استعادة ثقة الناس في الصحافة تقتضي مراجعة عميقة للممارسة الإعلامية، تبدأ بإعادة الاعتبار لأخلاقيات المهنة، وتعزيز استقلالية المؤسسات الصحافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أن على الجمهور بدوره أن يطور حسه النقدي، وألا يكون مجرد متلقٍ سلبي.
الصحافة ليست تجارة، بل رسالة. وإذا فقدت هذه الرسالة جوهرها، فإنها تفقد مبرر وجودها. وبين صحافة تنير الرأي العام، وأخرى تضلله، يبقى الاختيار مسؤولية ضمير قبل أن يكون قرار مهنة.

