مباشر
مجتمع

تمارة المغرب..ما وراء الصفعة: أزمة قيم أم حادثة معزولة؟

بقلم الأستاذ الحسناوي عبد الواحد في كل مجتمع، هناك لحظات فارقة تكشف عن التحولات العميقة التي يعيشها، وأحيانًا تأخذ هذه اللحظات شكل أحداث تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تحمل دلالات اجتماعية وثقافية وسياسية تتجاوز تفاصيلها المباشرة. حادثة صفع رجل سلطة من طرف سيدة بمدينة تمارة لم تكن مجرد واقعة معزولة، بل هي انعكاس …

تمارة المغرب..ما وراء الصفعة: أزمة قيم أم حادثة معزولة؟
تمارة المغرب..ما وراء الصفعة: أزمة قيم أم حادثة معزولة؟
شارك

بقلم الأستاذ الحسناوي عبد الواحد
في كل مجتمع، هناك لحظات فارقة تكشف عن التحولات العميقة التي يعيشها، وأحيانًا تأخذ هذه اللحظات شكل أحداث تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تحمل دلالات اجتماعية وثقافية وسياسية تتجاوز تفاصيلها المباشرة. حادثة صفع رجل سلطة من طرف سيدة بمدينة تمارة لم تكن مجرد واقعة معزولة، بل هي انعكاس لمسار طويل من التغيرات في علاقة المواطن بالمؤسسات، وانعكاس للتحولات التي طالت المنظومة القيمية داخل المجتمع المغربي.
حين ذهبت سلطة المدرسة، كان حتمًا ومن الطبيعي أن تذهب يومًا معها سلطة القائد. فالقضية ليست مجرد صفعة، بل نظام قيم كامل مهدد بالصفع. إن الدولة المغربية، التي بذلت جهودًا جبارة لترسيخ المؤسسات وسيادة القانون، تجد نفسها اليوم أمام تحدٍّ جديد لا يرتبط فقط بتطبيق القوانين، بل بإعادة ترميم العقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بمؤسساته. فرجال السلطة، وعلى رأسهم القواد، لا يمثلون أنفسهم، بل هم تجسيد لهيبة الدولة وأجهزتها الإدارية والتنظيمية، وسقوط هذه الهيبة يعني فتح الباب أمام حالة من الفوضى والاضطراب الاجتماعي.
ما حدث يطرح إشكالية التربية على المواطنة في المغرب، ويعيد إلى الواجهة أهمية المدرسة ليس فقط كمؤسسة تعليمية، بل كفضاء لبناء الشخصية وترسيخ قيم الاحترام والانضباط. إذا لم تعد وظيفة المدرسة تتجاوز تلقين المعارف إلى زرع القيم، وإذا أصبح اعتمادنا على المقاربة الأمنية والقانونية فقط، فإننا سنواجه مستقبلًا تتكاثر فيه التشوهات الاجتماعية، وسنجد أنفسنا أمام جيل يعاني من غياب التوازن بين الحقوق والواجبات.

المدرسة المغربية، سواء العمومية أو الخصوصية، يجب أن تبقى الحصن الأول ضد أي انحراف قيمي، لأنها إذا فشلت في أداء دورها، فإننا أمام مجتمع مهدد بثقافة الصفع والركل، مجتمع يفقد تدريجيًا بوصلته الأخلاقية، ويعيش حالة من الانفصال بين القانون والممارسة اليومية.
من منظور اجتماعي، يمكن استحضار نظرية “التفكك الاجتماعي” التي ترى أن غياب المؤسسات التربوية الفاعلة يؤدي إلى ضعف الضبط الاجتماعي، مما يفسح المجال أمام سلوكيات تتجاوز الأعراف والقوانين. فعندما تفقد المدرسة والأسرة والإعلام دورها في التربية، يصبح الفرد معرضًا أكثر للتصرف خارج إطار الضوابط المجتمعية، وهنا تبرز أهمية تكامل الأدوار بين هذه المؤسسات لضمان استقرار المجتمع.
في ظل هذه التحولات، يصبح الدفاع عن رجال السلطة وإعلاء قيم احترام القانون ضرورة للحفاظ على التوازن المجتمعي، وليس مجرد موقف سياسي أو أيديولوجي. الذين ينعتون من دافعوا عن القائد بـ”العياشة” يكشفون عن مستوى خطير من الجهل وقلة الوعي وعدم إدراك العواقب المستقبلية لهذه الظواهر. الفعل مدان، أيًا كان مصدره وأيًا كان ضحيته، لأن احترام المؤسسات هو صمام الأمان ضد الفوضى.
لقد جاءت هذه الحادثة كجرس إنذار يدعو الجميع إلى مراجعة الذات. الاحترام المتبادل بين المواطن ومؤسسات الدولة ليس خيارًا، بل ضرورة لضمان استقرار المجتمع. ويبقى الرهان الحقيقي على تربية الأجيال القادمة على مبادئ المواطنة الحقة، حيث يكون القانون هو المرجعية الأساسية في التعامل مع كل القضايا الاجتماعية، لأن مستقبل المغرب لا يمكن أن يبنى إلا على أساس من الاحترام والانضباط والمسؤولية المشتركة.