منصة الدعم المباشر للسكن التي أطلقتها الحكومة المغربية مطلع سنة 2024 خُلقت بهدف واضح: تسهيل ولوج المواطنين المغاربة، داخل أرض الوطن وخارجه، إلى سكن لائق عبر دعم مالي مباشر يتراوح بين 70 ألف درهم و100 ألف درهم حسب الفئة المستفيدة. لكن رغم هذه النوايا الحسنة، اصطدم عدد كبير من المواطنين بجدار من التعقيدات الإدارية والتقنية، ما جعلهم يتساءلون إن كان البرنامج لا يزال قائماً أم انتهى في صمت.
المستخدمون الذين حاولوا الولوج إلى المنصة الرقمية اشتكوا من بطء كبير في الاستجابة، أخطاء تقنية متكررة، وانقطاع مسارات التتبع، ما يجعلهم غير قادرين على معرفة مآل طلباتهم. بعضهم يؤكد أنه أرسل ملفه منذ شهور دون أن يتلقى أي إشعار بالقبول أو الرفض أو حتى طلب توضيح، مما يخلق جواً من الإحباط وانعدام الثقة في الآلية الرقمية التي كان من المفترض أن تسهل الأمور.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالمغاربة المقيمون بالخارج يواجهون معاناة مضاعفة. أولاً بسبب عدم ملاءمة شروط الاستفادة لوضعهم كغير مقيمين، وثانياً بسبب غياب أي تيسير في الإجراءات رغم كونهم من الداعمين الأساسيين للاقتصاد الوطني عبر تحويلاتهم المالية. فكيف يُفهم أن يُطلب من مغربي مقيم بكندا إثبات سكن قار بالمغرب أو تقديم دخل منتظم داخل البلاد بينما هو يخطط للعودة أو الاستثمار العقاري فيها؟
عدد من الطلبات التي تم رفضها لم تتلقَ تبريرات واضحة، ولا توجد جهة رسمية تتابع بشكل شفاف مراحل الانتقاء أو معايير القبول، وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات كثيرة، ويضعف ثقة المواطن في برامج الدولة، خاصة حين يتعلق الأمر بالسكن، الذي يُعد حقاً دستورياً ومطلباً اجتماعياً ملحاً.
في المقابل، تشير بعض الأرقام الرسمية إلى أن عدد المستفيدين الفعليين بلغ حوالي 35 ألف شخص من أصل أكثر من 110 آلاف طلب، ما يطرح تساؤلات حول كيفية معالجة الملفات، ومعايير الانتقاء، والفارق الكبير بين الطموح المعلن والواقع المحقق. رغم تسجيل انتعاش طفيف في قطاع البناء وتزايد في مبيعات الإسمنت بنسبة قاربت 10%، إلا أن المستفيدين الفعليين لا يعكسون حجم الإقبال، ما يعني أن هناك خللاً في إحدى الحلقات الأساسية.
غياب البلاغات المنتظمة من وزارة الإسكان أو الجهات المكلفة زاد من الضبابية، وخلق ما يشبه الانطباع بأن البرنامج قد جُمِّد دون إعلان رسمي. وهو ما يزيد من الضغط الشعبي، خصوصاً في ظل الأزمة العقارية وارتفاع أسعار السكن التي جعلت الآلاف ينتظرون هذا الدعم كفرصة قد لا تتكرر.
في ظل هذا الوضع، تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح شامل للمنصة، اعتماد قنوات تواصل فعالة مع المواطنين، تسريع معالجة الملفات، وتوفير شفافية تامة بخصوص الأرقام، المعايير، وجدولة المراحل المقبلة. كما أن من الضروري إصدار توضيحات رسمية بشكل دوري لطمأنة الرأي العام.
المواطن المغربي لا يطلب المستحيل، بل فقط وضوحاً في الرؤية، وعدلاً في المعالجة، وسهولة في الولوج. أما إذا استمر الصمت، والبلوكاج، والبطء الإداري، فإن هذا البرنامج سيلتحق بسلسلة من المبادرات التي بدأت بشعارات قوية وانتهت بلا أثر يُذكر.

