بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
لطالما شكّلت النقابات في المغرب صوتاً حقيقياً يعبر عن هموم الشغيلة، ورافعةً للدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لفئات واسعة من المجتمع. فمنذ الاستقلال، كانت التنظيمات النقابية حاضرة بقوة في معارك الإصلاح، وساهمت في بناء الوعي الجماعي بضرورة النضال من أجل تحسين شروط العيش الكريم. غير أن المتتبع للمشهد النقابي اليوم، لا يسعه إلا أن يطرح السؤال الجوهري: هل ما زالت النقابات تقوم بدورها الحقيقي كما كانت في السابق، أم أنها أصبحت جزءاً من منظومة ترهلت بفعل عوامل متعددة؟
إن الفعل النقابي في جوهره ممارسة مدنية تستند إلى مبدأ التضامن الجماعي وتنطلق من مطالب مشروعة تؤطرها قوانين العمل وروح العدالة الاجتماعية. هذا الفعل كان له أثر عميق في بناء توازن نسبي بين أرباب العمل والعمال، كما أسهم في انتزاع عدد من المكتسبات، من أبرزها الحماية الاجتماعية، تحسين الأجور، الحد من الاستغلال، وتقنين ساعات العمل. لقد شكلت النقابات قوة ضغط ساهمت في تعديل عدد من السياسات العمومية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل، وكان لها دور في تأطير الاحتجاجات وصيانة السلم الاجتماعي.
لكن المتغيرات الاقتصادية والسياسية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، من ليبرالية متوحشة، وعولمة اقتصادية، وتراجع الأحزاب السياسية عن أدوارها التأطيرية، كل ذلك انعكس على الفعل النقابي، الذي عرف نوعاً من الانكماش وفقدان الزخم الجماهيري. هذا التراجع تجلى في ضعف نسبة الانخراط النقابي، وتشتت الهيئات، وصراع الزعامات، بل وأحياناً انخراط بعض النقابات في مناورات سياسية أفقدتها استقلاليتها ومصداقيتها.
أمام هذا الوضع، تطرح اليوم بإلحاح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة النقابات، بشكلها الحالي، على استيعاب التحولات الاجتماعية الجديدة. فالعامل المغربي لم يعد يعيش في نفس السياق الذي نشأت فيه النقابات الكلاسيكية، بل أصبح يواجه تحديات مرتبطة بالمرونة المفرطة في التشغيل، والعمل غير المهيكل، وغموض العلاقة الشغلية، وهو ما يتطلب من التنظيمات النقابية إعادة النظر في طرق اشتغالها، وتجديد خطابها، والانفتاح على فئات جديدة كالطلبة والعاطلين والمشتغلين في الاقتصاد الرقمي.
إن النقابة الحقيقية اليوم، هي التي تقدر على استعادة الثقة، عبر توحيد صفوفها، والقطع مع التوظيف السياسي الضيق، والعمل الميداني الجاد. كما أن الرهان الأكبر يتمثل في تجديد القيادات، وتبني قضايا المجتمع برؤية إصلاحية شمولية تتجاوز منطق “المطالب الفئوية” نحو أفق “العدالة الاجتماعية للجميع”.
إن الفعل النقابي لم يمت، لكنه بحاجة إلى يقظة جديدة تعيد له بريقه التاريخي، ليكون بحق قوة اقتراح وتوازن، لا مجرد ظل باهت لمجدٍ سابق. فمستقبل العدالة الاجتماعية في المغرب لن يكتب له النجاح دون حركة نقابية قوية، مستقلة، ديمقراطية، ومرتبطة فعلاً لا قولاً بقضايا المواطن.

