مباشر
مجتمع

النفاذ المعجل في التنفيذ في المادة العقارية: بين طرد المحتل بدون سند وحماية الاستثمار في العقار المحفظ

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في ظل التحولات التي يعرفها القضاء المدني بالمغرب، خاصة في المجال العقاري، يبرز موضوع النفاذ المعجل في التنفيذ كآلية حاسمة لضمان حماية الحقوق العينية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعقار محفظ، حيث تتمتع الملكية فيه بقوة قانونية مطلقة وفق مبدأ “التطهير” الذي يميز نظام التحفيظ العقاري. غير أن هذه القوة …

النفاذ المعجل في التنفيذ في المادة العقارية: بين طرد المحتل بدون سند وحماية الاستثمار في العقار المحفظ
النفاذ المعجل في التنفيذ في المادة العقارية: بين طرد المحتل بدون سند وحماية الاستثمار في العقار المحفظ
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في ظل التحولات التي يعرفها القضاء المدني بالمغرب، خاصة في المجال العقاري، يبرز موضوع النفاذ المعجل في التنفيذ كآلية حاسمة لضمان حماية الحقوق العينية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعقار محفظ، حيث تتمتع الملكية فيه بقوة قانونية مطلقة وفق مبدأ “التطهير” الذي يميز نظام التحفيظ العقاري. غير أن هذه القوة القانونية قد تصطدم بواقع عملي معقد، يتمثل في وجود محتَلّ للعقار بدون سند قانوني، لكنه في المقابل أنجز استثمارًا فعليًا داخله، مما يطرح إشكالية دقيقة بين حماية الملكية من جهة، وحماية الاستثمار من جهة أخرى.

إن الحكم الاستعجالي بطرد محتل بدون سند يُعد من أبرز التطبيقات العملية للقضاء الاستعجالي، الذي يهدف إلى حماية الحقوق الظاهرة من أي اعتداء مادي واضح، دون المساس بجوهر النزاع. ففي حالة العقار المحفظ، يكفي أن يثبت المالك ملكيته برسم عقاري صحيح، وأن يثبت أن المحتل لا يتوفر على أي سند قانوني، حتى يستجيب قاضي المستعجلات لطلب الطرد، باعتبار أن الحيازة بدون سند تشكل اعتداءً مادياً يبرر التدخل الفوري.

ومن منظور قانوني، فإن العقار المحفظ يتمتع بحجية مطلقة في مواجهة الكافة، ولا يمكن الطعن فيه إلا وفق المساطر المحددة قانونًا، وهو ما يجعل مركز المالك أقوى من أي ادعاء آخر غير مؤسس. غير أن الإشكال يطرح عندما يكون المحتل قد قام باستثمار فعلي داخل العقار، كإقامة بناء أو استغلال اقتصادي، مما يثير تساؤلاً حول مدى إمكانية طرده بشكل فوري، خاصة إذا كان ذلك سيؤدي إلى خسائر مالية جسيمة.

في هذا السياق، يبرز دور النفاذ المعجل في التنفيذ، حيث يمكن للمحكمة أن تأمر بتنفيذ الحكم الاستعجالي فور صدوره، رغم إمكانية الطعن فيه، وذلك حماية لحق الملكية ومنع استمرار الاعتداء. غير أن هذا التنفيذ قد يخلق وضعية قانونية معقدة، خاصة إذا تم لاحقًا إلغاء الحكم أو إذا ثبت وجود نزاع جدي حول أصل الحق.

ومن زاوية النظرية الاقتصادية، فإن حماية الملكية العقارية تُعد من أهم ركائز تشجيع الاستثمار، حيث لا يمكن تصور بيئة استثمارية سليمة دون ضمان استقرار الحقوق العينية. غير أن نفس النظرية تؤكد أيضًا على ضرورة حماية الاستثمارات القائمة، حتى وإن كانت في وضعية غير قانونية، من خلال إيجاد حلول متوازنة تقلل من الخسائر وتضمن استمرارية النشاط الاقتصادي.

أما من الناحية الاجتماعية، فإن طرد محتَلّ قام باستثمار داخل العقار قد يؤدي إلى آثار سلبية، سواء على مستوى التشغيل أو الاستقرار الاجتماعي، خاصة إذا كان النشاط يوفر فرص عمل أو خدمات محلية. وهو ما يفرض على القضاء اعتماد مقاربة متوازنة تأخذ بعين الاعتبار جميع الأبعاد، دون الإخلال بمبدأ المشروعية.

وفي هذا الإطار، يمكن الحديث عن دور القضاء في إرساء نوع من العدالة التوفيقية، من خلال تمكين المحتل من اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض عن التحسينات أو الاستثمارات التي أنجزها، في إطار قواعد الإثراء بلا سبب أو المسؤولية التقصيرية، دون أن يشكل ذلك مبررًا للاستمرار في الاحتلال.

كما أن الصعوبة الوقتية في التنفيذ قد تثار في مثل هذه الحالات، حيث يمكن للمحتل أن يطلب إيقاف التنفيذ مؤقتًا، بدعوى وجود ضرر جسيم أو ظروف استثنائية، وهو ما يضع القاضي أمام ضرورة التوفيق بين سرعة التنفيذ وضمان الحقوق.

وفي ضوء مستجدات قانون المسطرة المدنية، يبدو أن الاتجاه يسير نحو تعزيز فعالية التنفيذ، مع الإبقاء على آليات الحماية القضائية، خاصة في ما يتعلق بالصعوبات الوقتية، والتعويض عن الأضرار، وهو ما يعكس رغبة المشرع في تحقيق التوازن بين القوة التنفيذية للأحكام وضمانات العدالة.

إن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في بناء منظومة قضائية قادرة على حماية الملكية العقارية بشكل فعال، دون إغفال البعد الاقتصادي والاجتماعي للاستثمار، من خلال اعتماد اجتهاد قضائي مرن ومتوازن، وتطوير آليات التعويض، وتعزيز الثقة في القضاء.

وفي الختام، فإن الحكم الاستعجالي بطرد محتل بدون سند في عقار محفظ، رغم ما يتمتع به من قوة قانونية، يظل مجالاً دقيقًا يتطلب توازناً مستمراً بين حماية الحق واستيعاب الواقع، بين الصرامة القانونية والمرونة القضائية، وهو ما يجعل منه أحد أبرز تجليات العدالة في بعدها العملي.