بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، يبرز المغرب كنموذج متوازن يجمع بين الإصلاح الهيكلي والاستشراف الاستراتيجي، حيث لم يعد الرهان فقط على الاستثمار المادي، بل أصبح موجهاً نحو الاستثمار في الرأسمال البشري وتعزيز الحكامة المالية كرافعتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة. إن ما يشهده المغرب اليوم ليس مجرد إصلاحات قطاعية معزولة، بل هو تحول عميق في فلسفة التدبير العمومي والخاص، ينسجم مع الرؤية الملكية المتبصرة التي جعلت من الإنسان محور كل السياسات العمومية.
لقد شهدت منظومة الموارد البشرية بالمغرب تحولا نوعيا بفضل إدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تدبير الكفاءات، حيث أصبحت نظم المعلومات الخاصة بالموارد البشرية (SIRH) أداة مركزية في اتخاذ القرار، وتدبير المسارات المهنية، وتحسين الإنتاجية. هذا التحول لا يعكس فقط مواكبة التوجهات العالمية، بل يؤكد دخول المغرب مرحلة جديدة قوامها الاقتصاد المعرفي، حيث تشكل الكفاءة البشرية رأس المال الحقيقي للمؤسسات. وتؤكد المعطيات الحديثة أن نسبة كبيرة من مسؤولي الموارد البشرية باتوا يعتبرون الذكاء الاصطناعي رافعة استراتيجية لتحسين جودة التوظيف وتدبير المواهب ، وهو ما يعزز التنافسية ويضمن استدامة الأداء.
وفي السياق ذاته، تتكامل هذه الدينامية مع إصلاحات عميقة في المجال المحاسبي والجبائي، خاصة مع دخول قانون المالية لسنة 2025 حيز التنفيذ، الذي حمل إجراءات ملموسة لتخفيف العبء الضريبي وتحفيز الاستثمار، من بينها رفع سقف الإعفاء من الضريبة على الدخل، إلى جانب تحديث المنظومة المحاسبية الوطنية في اتجاه التقارب مع المعايير الدولية IFRS. هذا التوجه يعكس إرادة واضحة نحو تعزيز الشفافية المالية وتكريس الثقة بين الإدارة والملزمين، وهو ما يشكل أحد الأسس الجوهرية في نظرية الحكامة المالية الحديثة.
من الناحية الاقتصادية، يمكن قراءة هذه التحولات في ضوء المدرسة المؤسسية التي تؤكد أن جودة المؤسسات والقواعد المنظمة للسوق تشكل محدداً أساسياً للنمو الاقتصادي. فكلما كانت القواعد واضحة، شفافة، ومستقرة، كلما ارتفعت جاذبية الاقتصاد للاستثمار، وهو ما يفسر المكانة المتقدمة التي بات يحتلها المغرب كوجهة استثمارية إقليمية. أما من الزاوية الاجتماعية، فإن هذه الإصلاحات تعكس مقاربة تنموية قائمة على العدالة الاجتماعية، من خلال تحسين ظروف الشغل، وتعزيز الإدماج المهني، خاصة لفائدة الشباب، في إطار مسؤولية اجتماعية متزايدة للمقاولة.
ومن الناحية القانونية، فإن الإطار التشريعي المغربي يعرف تطورا ملحوظا، سواء على مستوى تبسيط المساطر، أو تعميم الرقمنة، أو تعزيز الضمانات القانونية للمتعاملين الاقتصاديين، وهو ما ينسجم مع مبادئ دولة القانون والمؤسسات. إن هذا التراكم الإصلاحي يعكس نضجا تشريعيا يواكب التحولات الاقتصادية ويؤطرها بشكل متوازن، بما يحقق الأمن القانوني ويشجع المبادرة الخاصة.
إن ما يميز التجربة المغربية اليوم هو هذا التداخل الذكي بين تدبير الموارد البشرية وتحديث المنظومة المحاسبية، حيث لم يعد ينظر إلى المحاسبة كأداة تقنية فقط، بل كوسيلة استراتيجية لقياس الأداء واتخاذ القرار، ولم تعد الموارد البشرية مجرد وظيفة إدارية، بل أصبحت شريكا أساسيا في خلق القيمة داخل المؤسسة. هذه المقاربة المندمجة تعكس وعيا عميقا بأن التنمية الحقيقية لا تقوم إلا على توازن بين الإنسان والمال، بين الكفاءة والشفافية.
وبهذا، يؤكد المغرب سنة 2025 أنه يسير بثبات نحو نموذج تنموي جديد، يقوم على الابتكار، الحكامة، والاستثمار في الإنسان، وهو ما يعزز مكانته كقوة اقتصادية صاعدة في إفريقيا، ويؤهله ليكون منصة إقليمية تجمع بين الاستقرار السياسي، الجاذبية الاستثمارية، والقدرة على التكيف مع تحديات المستقبل.

