بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
لم يعد التحكيم الدولي المعاصر يقتصر على مناقشة أصل النزاع الاستثماري أو التجاري فحسب، بل أصبح فضاءً قانونيًا معقدًا تتقاطع داخله اعتبارات السرية، والشفافية، وحماية البيانات، واستقلال المحكمين، والتمويل من الغير، وهي كلها عناصر باتت تؤثر بصورة مباشرة في عدالة الإجراءات وثقة المستثمرين والدول على حد سواء.
وفي هذا السياق، برزت قضية International Centre for Settlement of Investment Disputes المتعلقة بالنزاع بين المستثمرين الأمريكيين Daniel W. Kappes and Kappes, Cassiday & Associates ضد جمهورية غواتيمالا، باعتبارها واحدة من القضايا التحكيمية المهمة التي سلطت الضوء على مفهومين إجرائيين بالغَي الأهمية في التحكيم الاستثماري الدولي، هما: حدود السرية في التحكيم، وحدود الإفصاح عن التمويل من الغير.
وقد نشأ النزاع في إطار اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الوسطى وجمهورية الدومينيكان والولايات المتحدة المعروفة بـ CAFTA-DR، والمتعلقة بمشروع استثماري في قطاع التعدين داخل غواتيمالا، حيث أصدرت هيئة التحكيم أوامر إجرائية مهمة أصبحت مرجعًا عمليًا في منازعات الاستثمار الدولية.
أولى هذه الإشكالات ظهرت في الأمر الإجرائي رقم 7، حين تقدمت دولة غواتيمالا بطلب يرمي إلى فرض السرية على مجموعة من الوثائق والمعلومات الشخصية التي أُدلي بها ضمن الملف التحكيمي، مستندة إلى مقتضيات القانون الغواتيمالي المتعلقة بحماية البيانات ومنع استعمالها خارج إطار النزاع.
وقد استندت هيئة التحكيم إلى المادة 3(13) من قواعد International Bar Association الخاصة بأخذ الأدلة في التحكيم الدولي، والتي تقضي بأن الوثائق المنتجة في إطار التحكيم وغير المتاحة للعموم ينبغي أن تظل سرية وألا تستعمل إلا لأغراض ذلك التحكيم.
غير أن الهيئة لم تتبنَّ مفهومًا مطلقًا للسرية، بل قررت مبدأ بالغ الأهمية مفاده أن مجرد إدراج مستند ضمن ملف التحكيم لا يمنحه تلقائيًا صفة السرية المطلقة، خصوصًا إذا كان أحد الأطراف يتوفر عليه بصورة مستقلة عن إجراءات التحكيم نفسها.
وهنا تتجلى إحدى أهم القواعد الحديثة في التحكيم الدولي، وهي أن السرية ليست قرينة قانونية مطلقة، بل عبء إثباتها يقع على الطرف الذي يتمسك بها. ولذلك، فإن أي طلب لحماية السرية ينبغي أن يتضمن تحديدًا دقيقًا للمعلومات المراد حجبها، والأساس القانوني للحماية، مع اقتراح تنقيحات عملية ومتناسبة، وليس مجرد ادعاء عام بالسرية.
وتكشف هذه المقاربة عن تطور فلسفة التحكيم الدولي المعاصر، الذي لم يعد يقبل التوسع المفرط في السرية، خاصة في القضايا الاستثمارية التي تمس المصلحة العامة والمال العام والسياسات السيادية للدول.
أما المفهوم الثاني، فقد برز في الأمر الإجرائي رقم 8، والمتعلق بالتمويل من الغير أو ما يعرف بـ Third-Party Funding، وهو النظام الذي أصبحت تلجأ إليه شركات ومستثمرون لتمويل تكاليف التحكيم مقابل نسبة من التعويضات المحتملة.
وفي هذه القضية، أفصح المستثمرون عن وجود ممول خارجي للنزاع، فطلبت غواتيمالا الكشف عن هوية هذا الممول، إضافة إلى الإفصاح عما إذا كان اتفاق التمويل يشمل تحمل المصاريف أو التكاليف التي قد يُحكم بها ضد المدعين في حالة خسارتهم للدعوى.
وقد ميزت هيئة التحكيم بين نوعين من المعلومات: المعلومات الضرورية لضمان نزاهة الإجراءات، والمعلومات التعاقدية الخاصة التي لا يجوز كشفها إلا لضرورة إجرائية حقيقية.
لذلك، أمرت الهيئة بالكشف عن هوية الممول فقط، باعتبار أن ذلك يدخل ضمن متطلبات التحقق من استقلال المحكمين وتفادي حالات تعارض المصالح، إذ قد تكون هناك علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين الممول وأحد أعضاء هيئة التحكيم أو المؤسسات المرتبطة به.
في المقابل، رفضت الهيئة إلزام المستثمرين بالكشف عن تفاصيل اتفاق التمويل أو ما إذا كان يشمل تغطية المصاريف المحكوم بها ضدهم، معتبرة أن هذا النوع من المعلومات لا يمكن فرض الإفصاح عنه دون مبرر إجرائي جدي وواضح.
وأكدت الهيئة أن بإمكان الدولة المدعى عليها التقدم بطلب مستقل يتعلق بضمان المصاريف (Security for Costs) إذا رأت وجود خطر فعلي بشأن القدرة على تنفيذ الحكم بالمصاريف، دون أن يعني ذلك حقًا تلقائيًا في الاطلاع على اتفاقيات التمويل الخاصة.
وتبرز أهمية هذا القرار في كونه يعكس التوازن الدقيق الذي يحاول التحكيم الدولي المعاصر تحقيقه بين مبدأ الشفافية ومبدأ حماية السرية التجارية والتعاقدية للأطراف.
فالتحكيم، رغم مرونته، لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لاختراق الخصوصية التعاقدية أو فرض كشف شامل لكل التفاصيل المالية للأطراف، ما لم يكن لذلك تأثير مباشر على نزاهة الإجراءات أو العدالة الإجرائية.
ومن الناحية العملية، فإن هذه القضية تؤكد أن التمويل من الغير لم يعد ظاهرة هامشية في التحكيم الدولي، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في بنية المنازعات الاستثمارية الكبرى، الأمر الذي دفع العديد من المؤسسات التحكيمية الدولية إلى تطوير قواعد خاصة بالإفصاح عنه، حمايةً لاستقلال المحكمين وتعزيزًا للثقة في العملية التحكيمية.
كما تكشف هذه القضية عن تحول مهم في الفكر التحكيمي العالمي، يتمثل في الانتقال من السرية المطلقة إلى السرية المقيدة والمتوازنة، ومن الإفصاح المطلق إلى الإفصاح الوظيفي المرتبط فقط بما يخدم نزاهة الإجراءات.
وهذا التطور يعكس بدوره نضج التحكيم الدولي كمنظومة عدالة اقتصادية عالمية، تسعى إلى حماية التوازن بين حقوق المستثمرين، وسيادة الدول، ومتطلبات الشفافية، واحترام الخصوصية القانونية والتجارية.
وفي ظل التوسع المتزايد للتحكيم الاستثماري في العالم العربي وإفريقيا، فإن استيعاب هذه المبادئ الإجرائية الحديثة أصبح ضرورة حقيقية بالنسبة للمحامين والمحكمين والخبراء والمستثمرين، خاصة مع تزايد الاعتماد على التمويل الخارجي وتعاظم حساسية البيانات المتبادلة داخل النزاعات العابرة للحدود.
إن قضية غواتيمالا أمام الإكسيد تؤكد بوضوح أن التحكيم الدولي لم يعد مجرد آلية لحسم النزاعات، بل أصبح مختبرًا قانونيًا عالميًا لإعادة تعريف العلاقة بين السرية والشفافية، وبين حماية الخصوصية وضمان العدالة الإجرائية، وهي معادلة ستظل في قلب تطور التحكيم الدولي خلال السنوات المقبلة.

