بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
شهدت الأسواق المغربية خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار الأسماك، مما أثار استياء المستهلكين وأعاد التساؤلات حول أسباب هذا الغلاء ومدى ارتباطه بعوامل اقتصادية، بيئية وتجارية.
في عام 2018، بدأت ملامح أزمة الأسعار في الظهور مع ارتفاع تكلفة المحروقات، مما أثر على تكاليف الصيد البحري ونقل المنتجات السمكية. تفاقمت الأزمة مع جائحة كورونا في عامي 2020 و2021، حيث تراجعت عمليات الصيد بسبب القيود الصحية، في مقابل ارتفاع الطلب الداخلي. في عام 2023، بلغ إجمالي إنتاج الأسماك في المغرب حوالي 1.3 مليون طن، وحققت عائدات القطاع 11.5 مليار درهم في العام نفسه. وتساهم هذه الثروة السمكية بحوالي 3% في الناتج الداخلي الخام للبلاد، في الوقت الذي يوفر القطاع حوالي 700,000 منصب شغل مباشر وغير مباشر. على الرغم من ذلك، استمر الجدل حول المضاربة والاحتكار، مع تكرار ارتفاع الأسعار خلال المواسم الكبرى كشهر رمضان والأعياد.
تتعدد العوامل المؤثرة في أسعار السمك. من أبرزها نقص العرض، الذي يعود إلى تراجع الثروة السمكية بسبب الصيد الجائر، وتغيرات المناخ، وقلة الموانئ المجهزة بكفاءة لتخزين الأسماك. بالإضافة إلى ذلك، ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما في ذلك أسعار الوقود، معدات الصيد، وأجور العمال. يُتهم بعض الوسطاء برفع الأسعار عمدًا لتحقيق أرباح إضافية، ما يساهم في تضخم الأسعار بشكل غير مبرر. كما يتم توجيه جزء كبير من الإنتاج السمكي إلى الأسواق الخارجية، مما يقلل من الكمية المعروضة في السوق المحلية. على سبيل المثال، ارتفعت واردات إسبانيا من الأسماك والقشريات والرخويات المغربية من 91.6 مليون كجم عام 2018 إلى 130.3 مليون كجم عام 2024، بزيادة قدرها 42%.
في هذا السياق، برزت مبادرات فردية لمواجهة ارتفاع الأسعار، أبرزها مبادرة الشاب عبد الإله، المعروف بـ”مول الحوت”، في مدينة مراكش. قرر عبد الإله بيع سمك السردين بسعر 5 دراهم للكيلوغرام، في حين كانت الأسعار تتجاوز 20 درهمًا في الأسواق المحلية. تهدف هذه الخطوة إلى تحدي الأسعار المرتفعة التي يفرضها الوسطاء، وتوفير السمك بأسعار معقولة للمواطنين. أثارت هذه المبادرة جدلاً واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها البعض تحديًا للاحتكار والمضاربة في سوق السمك. من جهة أخرى، أطلقت الحكومة مبادرة “حوت بثمن معقول”، التي تهدف إلى توفير الأسماك بأسعار مخفضة عبر أكثر من 1000 نقطة بيع موزعة على 40 مدينة مغربية، في محاولة لضبط السوق والحد من المضاربة.
لمواجهة هذا الوضع، يجب تعزيز مراقبة الأسواق للحد من المضاربة، ودعم الصيادين بتوفير الوقود بأسعار تفضيلية، وتوسيع مشاريع تربية الأحياء البحرية لسد الفجوة بين العرض والطلب، وتشجيع الاستهلاك الواعي وترشيد الاستهلاك خلال الفترات التي تشهد ارتفاع الأسعار. إن مشكلة ارتفاع أسعار السمك ليست معزولة عن السياق الاقتصادي العام، وهي تستدعي حلولًا متكاملة تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المستهلكين والمهنيين على حد سواء.

