بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، يطفو على السطح سؤال جوهري يرتبط بمدى جاهزية الدول العربية للتعامل مع سيناريو تصعيد عسكري محتمل أو فعلي ضد إيران، خاصة في سياق إقليمي يتسم بتشابك المصالح، وتعقيد التحالفات، وتزايد التوترات المرتبطة بملفات الطاقة، الأمن، والنفوذ الاستراتيجي. إن تحليل هذا الموضوع يقتضي مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين النظرية الاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية، ضمن إطار تفسيري يوازن بين الاستباق والتفاعل.
من منظور اقتصادي، تندرج الحرب ضمن ما يُعرف في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي بـ”اقتصاد الصدمات”، حيث تؤدي النزاعات المسلحة إلى اضطرابات حادة في الأسواق، خاصة أسواق الطاقة التي تُعد منطقة الخليج أحد أعمدتها الأساسية. فالدول العربية المنتجة للنفط، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، تدرك أن أي تصعيد مع إيران سيؤدي إلى تقلبات في أسعار النفط، وتهديد سلاسل الإمداد، وربما إغلاق مضيق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية. في هذا السياق، يمكن القول إن بعض الدول العربية اتجهت نحو تنويع اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على النفط، كإجراء استباقي يندرج ضمن نظرية “المرونة الاقتصادية” (Economic Resilience)، وهو ما يعكس وعياً استراتيجياً بتداعيات الأزمات.
أما من الناحية الاجتماعية، فإن الحروب لا تُنتج فقط آثاراً اقتصادية، بل تفرز أيضاً تحولات في البنية الاجتماعية، من خلال موجات اللجوء، وتصاعد الخطابات الطائفية، وتنامي الشعور بعدم الاستقرار. الدول العربية التي عانت سابقاً من تداعيات النزاعات، مثل العراق وسوريا، تُدرك جيداً كلفة الانزلاق نحو الفوضى، وهو ما يدفع العديد من الحكومات إلى تبني سياسات وقائية، تشمل تعزيز الأمن الداخلي، وضبط الخطاب الإعلامي، والاستثمار في الاستقرار الاجتماعي. غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تظل في كثير من الأحيان ذات طابع تفاعلي أكثر منها استباقي، خاصة في ظل غياب رؤية إقليمية موحدة.
من الزاوية القانونية، تطرح الحرب المحتملة مع إيران إشكاليات مرتبطة بمشروعية استخدام القوة في القانون الدولي، كما هو مؤطر في ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة 2 الفقرة 4 التي تحظر التهديد أو استخدام القوة، باستثناء حالات الدفاع الشرعي أو بقرار من مجلس الأمن. الدول العربية، من خلال عضويتها في المنظمات الإقليمية والدولية، تجد نفسها أمام تحدي التوفيق بين التزاماتها القانونية ومصالحها الاستراتيجية، وهو ما يفسر ميلها إلى تبني مواقف دبلوماسية حذرة، تدعو إلى التهدئة والحلول السلمية، دون الانخراط المباشر في النزاع.
وفي إطار التحليل المؤسسي، يمكن استحضار دور جامعة الدول العربية، التي يفترض أن تشكل منصة للتنسيق والتشاور بين الدول الأعضاء، غير أن محدودية فعاليتها في إدارة الأزمات الإقليمية تطرح تساؤلات حول قدرتها على بلورة موقف عربي موحد في مواجهة التحديات الكبرى. هذا الضعف المؤسسي يعزز فرضية أن الاستجابة العربية تظل مجزأة، وتخضع لحسابات وطنية ضيقة، بدل أن تكون جزءاً من استراتيجية جماعية متكاملة.
إن القراءة المتأنية للواقع تُظهر أن بعض الدول العربية قد اتخذت بالفعل خطوات استباقية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني، إلا أن هذه الجهود تظل غير كافية في غياب تنسيق إقليمي فعّال، ورؤية استراتيجية مشتركة. فالتعامل مع تداعيات حرب محتملة ضد إيران لا يمكن أن يكون ناجعاً إلا من خلال مقاربة شمولية، تدمج بين الوقاية والاستعداد، وتعتمد على أدوات متعددة تشمل الدبلوماسية، والتنمية، والتكامل الإقليمي.
و يمكن القول إن العالم العربي يقف اليوم عند مفترق طرق بين منطق الاستباق ومنطق رد الفعل. فبينما تسعى بعض الدول إلى تحصين نفسها ضد تداعيات الأزمات، لا تزال المنطقة تفتقر إلى منظومة جماعية قادرة على إدارة المخاطر بشكل استراتيجي. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في تجنب الحرب، بل في بناء قدرة عربية مستقلة على التنبؤ بالأزمات والتعامل معها بفعالية، في إطار يحفظ السيادة، ويعزز الاستقرار، ويكرّس منطق التعاون بدل الصراع

