مباشر
مجتمع

الحجية النسبية في التحكيم بالمغرب

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله محكم معتمد لدى مركز صناع الجودة لفض النزاع يُعدّ التحكيم من أهم مظاهر العدالة الحديثة، ومن أبرز آليات فض النزاعات التي تكرّس مبدأ التوافق والسرعة والمرونة، بعيدًا عن تعقيدات وطول أمد القضاء التقليدي. وفي المملكة المغربية، أصبح التحكيم يحتل مكانة متقدمة في المنظومة القانونية، بفضل الإصلاحات العميقة التي تبناها …

الحجية النسبية في التحكيم بالمغرب
الحجية النسبية في التحكيم بالمغرب
شارك

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
محكم معتمد لدى مركز صناع الجودة لفض النزاع

يُعدّ التحكيم من أهم مظاهر العدالة الحديثة، ومن أبرز آليات فض النزاعات التي تكرّس مبدأ التوافق والسرعة والمرونة، بعيدًا عن تعقيدات وطول أمد القضاء التقليدي. وفي المملكة المغربية، أصبح التحكيم يحتل مكانة متقدمة في المنظومة القانونية، بفضل الإصلاحات العميقة التي تبناها المشرع، والتي توجت بنصوص قانونية واضحة تهدف إلى تمكين الأطراف من حسم خلافاتهم بكل استقلالية، ضمن إطار قانوني يضمن الإنصاف واحترام الحقوق.
حكم التحكيم، وإن كان يشكل نهاية لمسار خصومة تحكيمية، ويُعتبر ملزمًا ونهائيًا، فإنه يتسم بطبيعة خاصة تتجلى في حجيته النسبية. هذه الحجية لا تقلل من قوة الحكم أو فعاليته، بل تعكس بعمق احترام إرادة الأطراف، حيث لا يسري أثر الحكم إلا على من كانوا طرفًا في اتفاق التحكيم وفي النزاع نفسه. وهنا تتجلى عظمة هذا النظام، إذ يمنح للأطراف إمكانية صنع عدالتهم الخاصة، ويصون في الوقت ذاته المراكز القانونية للغير.
في هذا الإطار، يكرّس التحكيم ثقافة قانونية متقدمة قوامها التفاهم والتعاقد والرضائية، مما يجعل من الحكم التحكيمي تعبيرًا صادقًا عن اتفاق إرادتين، خُوّل لهما القانون أن تتجاوزا المسطرة القضائية العادية نحو مسار أكثر مرونة. فالحجية النسبية ليست نقطة ضعف، بل هي ضمانة للخصوصية، تكرّس الاستقرار القانوني بين المتنازعين، وتحفظ في الوقت ذاته حقوق غير المتدخلين.
لقد استطاع المغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن يجعل من التحكيم خيارًا استراتيجيًا لتعزيز جاذبية مناخ الأعمال، وجزءًا من مشروع عدالة بديلة تراهن على السرعة والفعالية وجودة النتائج. ويتجلى ذلك في دعم مراكز التحكيم، وخلق بيئة تشريعية متقدمة تُراعي المعايير الدولية وتستجيب لانتظارات المستثمرين والفاعلين الاقتصاديين.
ومن خلال تطوير الترسانة القانونية المنظمة للتحكيم، واعتبار الحكم التحكيمي سندًا قابلاً للتنفيذ بقوة القانون، تؤكد المملكة انخراطها الواعي في دينامية قانونية حديثة، تعترف بأن الخصومة القضائية ليست دائمًا السبيل الوحيد للعدالة، بل إن إرادة الأطراف – متى احتُرمت واحتُضنت داخل نظام قانوني محكم – قادرة على إنتاج أحكام محترمة وفعالة.
إن الاعتراف بالحجية النسبية لحكم التحكيم لا ينال من قوته أو من تأثيره، بل يُعبّر عن وعي تشريعي عميق بوظيفة هذا النظام، ويُجسد حرص المشرع المغربي على التوفيق بين مبدأ سلطان الإرادة ومتطلبات الأمن القانوني. وهكذا يُمسي التحكيم، ليس مجرد وسيلة لحل النزاعات، بل قيمة قانونية راقية تعكس نضج الفكر التشريعي المغربي وقدرته على التأقلم مع متغيرات الواقع ومطالب الاستثمار.
ومع استمرار تطور التحكيم في المغرب، يبقى الأمل معقودًا على تعزيز ثقافته داخل المجتمع القانوني، وعلى مواصلة تمتين ثقة المتقاضين فيه، ليصبح الخيار الأول لكل من يطلب عدالة نزيهة، سريعة، وفعالة، مبنية على التفاهم أكثر من الخصومة، وعلى الحل أكثر من الصراع.