مباشر
مال وأعمال

الجباية داخل الجماعات الترابية

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله خبير اقتصادي في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النموذج التنموي المغربي، لم يعد الإصلاح الجبائي مجرد خيار تقني أو استجابة ظرفية لرهانات التمويل، بل أصبح مدخلاً استراتيجياً لإعادة بناء التوازنات المؤسساتية داخل الدولة، خصوصاً على مستوى الجماعات الترابية. وفي هذا الإطار، يشكل القانون رقم 14.25 المتعلق بتغيير وتتميم القانون …

الجباية داخل الجماعات الترابية
الجباية داخل الجماعات الترابية
شارك

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله خبير اقتصادي

في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النموذج التنموي المغربي، لم يعد الإصلاح الجبائي مجرد خيار تقني أو استجابة ظرفية لرهانات التمويل، بل أصبح مدخلاً استراتيجياً لإعادة بناء التوازنات المؤسساتية داخل الدولة، خصوصاً على مستوى الجماعات الترابية. وفي هذا الإطار، يشكل القانون رقم 14.25 المتعلق بتغيير وتتميم القانون 47.06 الخاص بجبايات الجماعات الترابية محطة مفصلية في مسار ترسيخ اللامركزية المالية، حيث يكشف هذا الإصلاح عن إرادة الدولة المغربية في الانتقال من منطق التدبير التقليدي للموارد إلى منطق السيادة المالية المحلية المبنية على النجاعة، الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن قراءة هذا التحول لا يمكن أن تنحصر في البعد التقني المرتبط بإعادة توزيع مهام التحصيل، بل ينبغي استحضار السياق الاستراتيجي الذي يأتي فيه، والمتمثل في تنزيل مقتضيات القانون-الإطار 69.19 المتعلق بإصلاح المنظومة الجبائية، والذي وضع أسس توحيد الرؤية الضريبية بين الدولة والجماعات الترابية. هذا التوجه يعكس بوضوح رؤية الدولة المغربية بقيادة جلالة الملك محمد السادس، التي تقوم على بناء نموذج تنموي متوازن يجعل من الجماعات الترابية فاعلاً حقيقياً في التنمية، وليس مجرد منفذ لسياسات مركزية.

من الناحية الاقتصادية، يمكن تفسير هذا الإصلاح في ضوء نظرية المالية العامة الحديثة، التي تؤكد أن فعالية الجباية لا تتحقق فقط من خلال رفع المعدلات الضريبية، بل عبر تحسين جودة التحصيل، وتوسيع الوعاء، وتعزيز الامتثال الطوعي. وهنا يظهر بجلاء أن الدولة المغربية لم تتجه نحو الضغط الجبائي، بل نحو ترشيد المنظومة وتعزيز مردوديتها، وهو اختيار يعكس نضجاً في السياسات العمومية، ويؤكد أن الهدف ليس فقط تعبئة الموارد، بل تحقيق العدالة الجبائية والاستدامة المالية.

أما من الناحية القانونية، فإن القانون 14.25 يجسد انتقالاً نوعياً نحو تكريس مبدأ “وحدة القرار الجبائي”، من خلال ربط عملية الإصدار بعملية التحصيل، وهو ما ينسجم مع مدرسة الحكامة القانونية الحديثة التي ترى أن تجزئة الاختصاصات تؤدي إلى ضعف الفعالية وتشتت المسؤولية. هذا التوجه يعزز أيضاً الأمن القانوني، من خلال وضوح المساطر، وتحديد المسؤوليات، وتقليص النزاعات الناتجة عن تضارب الاختصاصات، وهو ما من شأنه تحسين مناخ الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين في المنظومة الجبائية المحلية.

وفي البعد الاجتماعي، فإن هذا الإصلاح يندرج ضمن مقاربة الدولة الاجتماعية التي تسعى إلى تحقيق العدالة المجالية، حيث لا يمكن الحديث عن تنمية متوازنة دون تمكين الجماعات من موارد مالية كافية ومستقرة. فالجباية الترابية ليست مجرد أداة تمويل، بل هي آلية لإعادة توزيع الثروة، وتحقيق الإنصاف بين المجالات، وتقليص الفوارق الترابية، وهو ما يجعل من هذا الإصلاح رافعة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة.

ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبته الدولة المغربية في إنجاح هذا الورش، من خلال اعتماد مقاربة تدريجية ومتوازنة تجمع بين المركزية الذكية واللامركزية الفعالة. فقد عملت على إسناد بعض الرسوم ذات الطابع الوطني إلى المديرية العامة للضرائب، ضماناً للنجاعة والخبرة، وفي المقابل عززت دور القباض الجماعيين في تحصيل باقي الرسوم، بما يكرس استقلالية الجماعات ويقوي قدراتها التدبيرية. هذه الهندسة المؤسساتية تعكس رؤية استراتيجية عميقة، تجعل من الإصلاح الجبائي أداة لإعادة توزيع السلطة المالية بشكل عقلاني ومتوازن.

كما أن إصدار المذكرة المشتركة بين وزارتي الداخلية والاقتصاد والمالية بتاريخ 8 أبريل 2026، يؤكد مرة أخرى أن الدولة لا تكتفي بإصدار النصوص، بل تحرص على مواكبة تنزيلها ميدانياً، من خلال التنسيق المؤسساتي، وتوحيد الرؤية، وضمان انتقال سلس للاختصاصات. وهو ما يعكس نموذجاً متقدماً في تدبير الإصلاحات العمومية، قائم على التخطيط، والتتبع، والتقييم المستمر.

غير أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بمدى قدرة الجماعات الترابية على استيعاب هذا التحول، وتطوير أدواتها التدبيرية، خاصة في مجالات الرقمنة، وتحيين قواعد البيانات، وتكوين الموارد البشرية، وتحسين العلاقة مع الملزمين. فالدولة وفرت الإطار القانوني والمؤسساتي، ويبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا الإطار إلى ممارسة يومية قادرة على تحقيق نتائج ملموسة.

إن التجربة المغربية في إصلاح الجبايات الترابية تقدم اليوم نموذجاً متميزاً على الصعيد الإقليمي، حيث نجحت في المزاوجة بين متطلبات النجاعة المالية ومبادئ العدالة المجالية، وبين مركزية القرار الاستراتيجي ولا مركزية التنفيذ. وهو ما يعزز مكانة المغرب كدولة رائدة في مجال الإصلاحات المالية والمؤسساتية، ويؤكد أن مسار بناء الدولة الحديثة يمر حتماً عبر تمكين الجماعات الترابية من أدوات السيادة المالية.

ويمكن القول إن القانون 14.25 لا يمثل نهاية مسار، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها: الانتقال من جباية محلية تقليدية إلى منظومة مالية ترابية متكاملة، قادرة على تمويل التنمية، وتعزيز الثقة، وترسيخ دعائم الدولة الاجتماعية. وهو تحول يعكس بوضوح حكمة الدولة المغربية في تدبير الإصلاحات الكبرى، ورؤيتها الاستراتيجية لبناء مغرب قوي، متوازن، ومستدام.