مباشر
مال وأعمال

اقتصاد المقابر في المغرب

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله خبير اقتصادي في المغرب المعاصر، لم يعد الحديث عن المقابر مقتصرًا على بعدها الديني أو الاجتماعي، بل أصبح جزءًا من نقاش عمومي أوسع يرتبط بما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الموت”، وهو مفهوم يعكس تداخل تدبير الدفن مع قضايا التعمير، والعدالة المجالية، والاستثمار في التراث، والحكامة الترابية. وفي هذا السياق، تكشف …

اقتصاد المقابر في المغرب
اقتصاد المقابر في المغرب
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله خبير اقتصادي

في المغرب المعاصر، لم يعد الحديث عن المقابر مقتصرًا على بعدها الديني أو الاجتماعي، بل أصبح جزءًا من نقاش عمومي أوسع يرتبط بما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الموت”، وهو مفهوم يعكس تداخل تدبير الدفن مع قضايا التعمير، والعدالة المجالية، والاستثمار في التراث، والحكامة الترابية. وفي هذا السياق، تكشف المعطيات الرسمية الحديثة عن مفارقة دقيقة: من جهة، ضغط متزايد على المقابر بسبب التحولات الديمغرافية والتوسع الحضري، ومن جهة أخرى، رؤية استراتيجية تقودها الدولة المغربية لتحويل جزء من هذا الإرث إلى رافعة ثقافية وتنموية مستدامة.

تشير تقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للحسابات إلى أن مئات المقابر بالمغرب بلغت أو قاربت طاقتها الاستيعابية القصوى، حيث تم تسجيل وضعية تشبع في عدد كبير منها، وهو ما يعكس ضغطًا متزايدًا على الوعاء العقاري المخصص للدفن. هذا الواقع يرتبط بشكل مباشر بتطور المؤشرات الديمغرافية، حيث يسجل المغرب سنويًا عددًا مهمًا من الوفيات، ما يفرض الحاجة إلى تعبئة عقارية إضافية تقدر بعشرات الهكتارات سنويًا لضمان استمرارية هذا المرفق الحيوي.

غير أن التحدي لا يقف عند حدود توفر العقار، بل يمتد إلى إشكالية التخطيط الحضري، إذ تبين أن نسبة محدودة فقط من وثائق التعمير تأخذ بعين الاعتبار الحاجة المستقبلية إلى المقابر، ما يطرح إشكالًا بنيويًا في إدماج هذا المرفق ضمن الرؤية الشاملة للمدن. كما أن واقع التسيير يظل في جزء كبير منه تقليديًا، حيث تعتمد نسبة مهمة من المقابر على تدبير غير ممأسس، سواء من طرف السلطات المحلية أو الساكنة، في غياب نماذج حكامة حديثة قائمة على المهنية والرقمنة والاستدامة.

ورغم هذه التحديات، فإن المقاربة المغربية لا تنحصر في منطق التدبير الظرفي، بل تنخرط ضمن رؤية إصلاحية أشمل، تقودها الدولة بتوجيهات سامية من محمد السادس، تقوم على إعادة الاعتبار لهذا المجال، سواء من خلال برامج تأهيل المقابر، أو عبر إدماجها ضمن السياسات العمومية المرتبطة بالتنمية الحضرية والبيئية. فقد أطلقت الجماعات الترابية، تحت إشراف وزارة الداخلية، مشاريع لإحداث مقابر جديدة وفق معايير حديثة، تشمل التهيئة، والتسييج، وتوفير المرافق الأساسية، وتحسين شروط الولوج، بما يضمن كرامة المواطن ويعكس صورة حضارية للمجال الجنائزي.

وفي موازاة هذا الورش الوظيفي، برز توجه استراتيجي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تثمين المقابر التاريخية وإدماجها ضمن الاقتصاد الثقافي. ويُعد موقع شالة بالرباط نموذجًا بارزًا في هذا المجال، حيث خضع لعملية ترميم وإعادة تأهيل شاملة، مكنته من التحول إلى فضاء ثقافي وسياحي مفتوح، يجمع بين البعد الأثري والبعد الجمالي، ويستقطب الزوار من داخل المغرب وخارجه. هذا التحول لم يكن مجرد مشروع ترميم، بل يعكس رؤية متكاملة تقوم على تحويل الذاكرة التاريخية إلى مورد اقتصادي مستدام، يساهم في خلق فرص الشغل وتنشيط السياحة الثقافية.

ولا تقف هذه الرؤية عند التراث الإسلامي فقط، بل تمتد لتشمل مختلف مكونات الهوية المغربية، بما في ذلك الذاكرة اليهودية التي تحظى بعناية خاصة في إطار سياسة وطنية شاملة لصيانة التراث. فقد تم إطلاق برامج لترميم المقابر والمعابد اليهودية، وتحويل بعضها إلى فضاءات ثقافية، في تجسيد فعلي لقيم التعايش والتعدد التي تميز المغرب، وتعزز إشعاعه الدولي كنموذج فريد في تدبير التنوع الثقافي والديني.

إن ما يميز التجربة المغربية في هذا المجال هو هذا التوازن الدقيق بين الاستجابة لحاجيات آنية ملحة، تتعلق بتدبير الضغط على المقابر، وبين بناء رؤية مستقبلية تجعل من “اقتصاد المقابر” جزءًا من منظومة تنموية أوسع. فالدولة لا تكتفي بتوسيع الوعاء العقاري أو تحسين البنية التحتية، بل تسعى إلى إعادة تعريف هذا القطاع، عبر إدماجه في الاقتصاد الاجتماعي، وتطوير خدماته، وتشجيع المبادرات التي تجمع بين البعد الإنساني والنجاعة الاقتصادية.

وفي ظل استمرار الإصلاحات، وتزايد الوعي بأهمية التخطيط الاستباقي، يبدو أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو بناء نموذج متكامل في تدبير هذا القطاع الحساس، نموذج يضمن كرامة الإنسان، ويحترم الذاكرة الجماعية، ويحول التحديات إلى فرص. وبين ضغط الأرقام ورهانات المستقبل، يظل “اقتصاد المقابر” مرآة حقيقية لقدرة الدولة المغربية على التوفيق بين الأصالة والتحديث، في إطار رؤية ملكية تجعل من الإنسان محور كل السياسات العمومية، في الحياة وبعد الممات.