بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في سياق يتجه فيه المغرب نحو تعزيز رقمنة الخدمات العمومية، برزت في الأيام الأخيرة أزمة حقيقية تجلت في تعطل متكرر لمنصة SIMPL التابعة للمديرية العامة للضرائب، وهي المنصة الرقمية المخصصة لإيداع التصريحات الضريبية وأداء الواجبات المالية إلكترونيًا. هذا العطل المفاجئ، الذي تزامن مع آجال حرجة تتعلق بالتصريح الشهري للضريبة على القيمة المضافة، وضريبة الدخل المهني، وتسديد الاقتطاعات عند المصدر، وضع المهنيين في مجال المحاسبة في قلب عاصفة رقمية غير معلنة.
لقد وجد المحاسبون المعتمدون، والخبـراء المحاسبون، وكذا العاملون في مكاتب المحاسبة أنفسهم أمام وضعية غير مسبوقة، يواجهون فيها ضغوط الزبناء، وغموضًا في الرؤية، وغيابًا تامًا لأي تواصل رسمي يشرح طبيعة الخلل أو يطمئن المهنيين بشأن حل وشيك. ومما يزيد الوضع سوءًا أن تأخير التصريحات الإلكترونية لا يُقابل بأي مرونة من طرف الإدارة، حيث تفرض غرامات وفوائد تأخير بشكل أوتوماتيكي دون تمييز بين الإهمال والعجز التقني، وهو ما يتسبب في أضرار مباشرة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة خصوصًا.
هذا التأخير لا يقتصر على التصريحات فقط، بل يمتد أيضًا إلى معالجة الملفات داخل المصالح الجبائية نفسها، إذ يعاني عدد من المهنيين من بطء شديد في تتبع الملفات والرد على الطلبات والاستفسارات، مما يخلق حالة من الجمود والارتباك في العلاقة بين الإدارة والملزمين. وكنتيجة حتمية لهذا الوضع، فإن الدولة نفسها تتعرض لخسائر مالية كبيرة ناجمة عن تأخر التحصيل الجبائي، مما يُضعف من مداخيلها ويؤثر على توازناتها المالية في فترة تحتاج فيها إلى كل الموارد.
هذا الوضع غير المقبول يضع المسؤولية كاملة على عاتق الإدارة الضريبية التي لم تفِ بواجبها في تأمين استمرارية الخدمة الرقمية وضمان مصداقيتها. فإذا كانت هذه الانقطاعات ناتجة عن ضغط على الخوادم، أو خلل تقني كبير، أو ربما هجمات إلكترونية كما يعتقد البعض، فإن المبدأ يفرض على الجهات المعنية أن تعتمد الشفافية، والتواصل الصريح، والمبادرات العاجلة لمعالجة الخلل والتخفيف من آثاره.
إن الحديث عن الرقمنة لا يمكن أن يظل مجرد شعار في الخطاب العمومي، بل يجب أن يُترجم إلى التزام فعلي بتأمين المواقع الإلكترونية وتحصينها من أي اختراق أو خلل، وتأمين الخدمات المرتبطة بها لضمان استمراريتها وسلامتها. التحول الرقمي الناجح يستوجب توفير بنية تحتية قوية، وكفاءات تقنية عالية، ونظام صيانة واستجابة فعال لتفادي تكرار هذه الأزمات.
إن الحل الفوري والعادل يتمثل في إصدار قرار رسمي بتمديد آجال التصريح والأداء، كخطوة مؤقتة تحمي مصالح المواطنين وتضمن عدالة ضريبية متوازنة. كما يشكل هذا الإجراء إشارة واضحة إلى تقدير الدولة للدور الحيوي الذي يلعبه المحاسبون والخبراء المحاسبون في استقرار المنظومة المالية، بدل تحميلهم وزر أعطال تقنية خارجة عن إرادتهم.
وفي الأخير، فإن تجاهل السلطات لهذه الأزمة الرقمية الصامتة لن يكون مجرد تقصير إداري، بل يمس بمصداقية الخطاب الرسمي حول الرقمنة، ويضعف ثقة المواطن في قدرة الدولة على تسيير مرحلة الانتقال الرقمي بكفاءة وعدالة.

