بقلم ذ مولود بسالم
هناك، في زاويةٍ قصيّةٍ من الذاكرة، حيث يختلط الضوء بالحنين، وتتنفّس الصور القديمة ببطءٍ كأنها لم تغادر، تومض ملامح مِّي عِيشَة وهي تمشي الهوينى،تخطو بهدوء نحو الحقول وسط الصباحات الندية وإلى جانبها بقرتها “نوارة” ،كأنهما ظلَّان تعاهدا على ألّا يفترقا. كلما استدعيتُ تلك الصورة، شعرتُ بأن قلبي يعود طفلًا يقف على عتبة المدرسة، يمدُّ بصره نحو امرأةٍ لم تكن أمًّا لابنها فحسب، بل كانت أمًّا لقريةٍ بأكملها.
كانت الحكايات في قريتنا تبدأ باسمها، وتنتهي عند دعائها. لم ينطق الصغير ولا الكبير اسمها مجرّدًا؛ بل كانوا يحيطونه بدفء الأمومة فيقولون: “مِّي عِيشَة”، وكأن اللفظة وحدها تكفي لتسكب في الأرواح سكينةً خفيَّة. رحل زوجها ذات ليلةٍ باردةٍ حالكة، ليلةٍ انطفأت فيها قناديل الفرح في بيتها الصغير، وتركها تواجه الدنيا بابنٍ يتيم وقلبٍ مثقلٍ بالفقد. شبَّ الإبن على مرارة الحرمان، فحمل تمرده ورحل دون عودة، تاركًا أمَّه وحيدةً في وجه الريح.لكن مي عيشة لم تكن من طينة
الانكسار ! داخلها عزيمةً صلبةً استمدت بأسَها من جذوع الزيتون العتيقة التي لا تنحني للعواصف.من بين تعب الأيام وعناد المواسم اقتنت بقرةً صفراء بلون شمسٍ لا تغيب،. وأسمتها “نوّارة”. لم تكن بقرةً فحسب، بل كانت رفيقة درب، و وُنْسَ مساء، و صدى صوتٍ يملأ وجوم البيت ،ويبدد و حشة أركانه القاتمة. كانت تقودها كل صباحٍ بحبلٍ يشبه خيط المودّة و الألفة، تمضي بها نحو مروج القرية، حيث العشب الطريُّ ودفء الشمس، فيما يسير الاثنان بتناغمٍ عجيب، كأن بينهما لغة سرّية لا يدركها سواهما،كنا نحن أطفال
القرية، ننتظر مرورها كما ننتظر جرس المدرسة. نحيّيها ببراءة، فتغمرنا بدعائها الصادق: “الله يفتح عليكم يا وليداتي”، فيتسلّل الاطمئنان إلى صدورنا كنسمةٍ زبيعية تمنحنا شحنة تُهَوِّن علينا رهبة الفصل. كنا نحدّق في نوّارة، صفراء فاقعٌ لونها، تمشي بثباتٍ و وقار، فنندهش لذلك الانسجام التام بين المرأة وبقرتها، توافق يشبه صلحًا عميقًا بين الإنسان وقدره.
مع اشتعالِ الأفق بحمرةِ الوداع، وصمتِ الوادي المهيب، تغمرُ “مي عائشة” طمأنينةٌ سماوية. كأنَّ النهارَ لم يكن شقاءً، بل صلاةً طويلةً رُفعت بالكدِّ والعرق. تنظر إلى بقرتها الرابضة في هدوءٍ عند طرف الحقل. وقد اما دزعها،تمضغ عشبها بطمأنينة بعينين وادعتين تشبهان سكون المساء، كأنها تشارك صاحبتها سرَّ ذلك الصفاء الخفي الذي يهبط على القلوب مع أفول النهار. تبتسم مي عيشة ملءَ روحها، ابتسامةً صغيرة لكنها عميقة، كأنها تشكر الله في صمتٍ على يومٍ مرّ بسلام، وعلى رفيقةٍ صارت مع الأيام جزءًا من نبض حياتها.ثم تجمع أطراف يومها كما تُجمع سنابل الحقل بعد الحصاد، وتطلق لنوّارة إشارة العودة. تمشيان الهوينى في دربٍ يعرف خطاهما جيدًا؛ دربٍ ترابه مألوف، وحجارته تحفظ وقع أقدامهما منذ سنين. كان الغروب يمدّ على الطريق خيوطًا ذهبية خافتة، فيما تتسلل نسمات المساء الباردة من جهة الوادي، حاملةً معها رائحة الطين الرطب وأعشاب الضفاف.
تمضي مي عيشة عائدةً برفقتها الوفيّة ، وقد تهيّأ قلبها لاستقبال مساء القرية؛ ذلك المساء الذي تفوح منه رائحة السكينة، حيث تتصاعد أدخنة المواقد من البيوت الطينية، وتختلط أصوات الأطفال بوقع الأبواب العتيقة، ويهبط الليل على المزارع والحقول كعباءةٍ وادعةٍ من الطمأنينة. وفي ذلك الرجوع الهادئ، كانت تشعر أن يومًا آخر من عمرها قد انطوى بسلام، وأن الأرض التي تعبت فوقها طوال النهار قد ردّت لها التعب سكينةً في القلب ورضًا في الروح.
ومع مرور الأيام، لم تعد “نوّارة” مجرد بقرةٍ تدرّ لبنًا، بل غدت جسرًا خفيًّا تعبر عليه مي عيشة إلى قلوب الناس. كأن الله عوّضها عن وحدة البيت بسعة القلوب، فجعل من تلك الرفيقة الصفراء مفتاحًا لأبوابٍ ما كانت لتُغلق في وجهها أصلًا.
كانت مي عيشة تدرك أن بياض لبن بقرتها هو بياض أيامها و سعدها ،لبن توزَّعه كما يُوزَّع الفرح في الأعياد؛ بيتٌ اليوم، وآخر غدًا، في نظامٍ صامتٍ يعرفه الجميع دون أن يُكتب. تستقبل الأسر نصيبها برحابة الصدر وصدق الامتنان، ثم لا تلبث أن تردّ الجميل بأجمل منه: سلالٌ من تمر، حزمُ برسيمٍ أخضر، صاع قمحٍ ذهبي، أو دعوةٌ صادقة في جوف الليل. وهكذا صار العطاء دائرةً لا يُعرف لها بدءٌ ولا انتهاء، تدور باسم مي عيشة وتزهر في كل بيت.
ولم يقف الأمر عند حدود اللبن؛ فقد أجمع أهل القرية، بقلوبٍ سبقت ألسنتهم، أن تكون الحقول كلّها مباحةً لمي عيشة وبقرتها: ترعى حيث شاءت، وتقطف من البرسيم ما يسدّ الرمق، كأن الأرض نفسها تبسط لها بساط الرضا. كان ذلك القرار غير المكتوب أسمى من أي عقد، لأنه وُقِّع بنبض التضامن الذي درج عليه القرويون أبًا عن جد.
أما في الأفراح والمناسبات، فكانت الأبواب تُفتح لها قبل أن تطرق، وتُفسَح لها المجالس في صدر البيوت، فتجلس بين النسوة كأنها واحدة من أعمدة الدار. هناك، كانت ضحكتها تخالط الزغاريد، ووجهها يشرق بنور المشاركة، فيتبدّد شيءٌ من ظلال الوحدة التي حاولت أن تعشش في قلبها يومًا.
لم تعد مي عيشة امرأةً تقاوم عاديات الزمن فحسب، بل غدت رمزًا حيًّا لمعنى التكافل والتعايش ، فقد وجدت في القرية قلبًا واسعًا يضمّها كما ضمّت هي أهلها بعطائها من قبل، حتى صار ما بينها وبينهم عهدُ مودةٍ صامتٍ يتجدّد كل صباحٍ مع خطى “نوّارة” وهي تمشي إلى المروج، في انسجامٍ يشبه سلامًا أبرمته الحياة مع روح لم يعرف سوى العطاء.
هكذا تمضي أيامها.. امرأةٌ من نسيج البادية، تحيكُ من خيوط الفقد رداءً للرجاء، وتحرسُ بقرتها كأنها تحرسُ آخرَ ما تبقى لها من حياةٍ في هذا الوجود الشاسع.
وهج الذاكرة:مِّي عيشة ونوّارة: سيرةُ قلبٍ نسجته القرية من لبن العطاء وظلِّ التضامن.
بقلم ذ مولود بسالم هناك، في زاويةٍ قصيّةٍ من الذاكرة، حيث يختلط الضوء بالحنين، وتتنفّس الصور القديمة ببطءٍ كأنها لم تغادر، تومض ملامح مِّي عِيشَة وهي تمشي الهوينى،تخطو بهدوء نحو الحقول وسط الصباحات الندية وإلى جانبها بقرتها “نوارة” ،كأنهما ظلَّان تعاهدا على ألّا يفترقا. كلما استدعيتُ تلك الصورة، شعرتُ بأن قلبي يعود طفلًا يقف على …

