مباشر
مال وأعمال

واتساب: التطبيق المجاني الذي يربح المليارات… حين يتحول التواصل إلى اقتصاد خفي

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في زمن أصبحت فيه التطبيقات الرقمية تتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي، يبرز WhatsApp كواحد من أكثر النماذج إثارة للانتباه، ليس فقط لكونه وسيلة تواصل يومية لمليارات المستخدمين، ولكن لأنه يمثل تحولًا عميقًا في مفهوم الربح الرقمي، حيث لم يعد الأداء الاقتصادي قائمًا على الدفع المباشر، بل على خلق منظومة …

واتساب: التطبيق المجاني الذي يربح المليارات… حين يتحول التواصل إلى اقتصاد خفي
واتساب: التطبيق المجاني الذي يربح المليارات… حين يتحول التواصل إلى اقتصاد خفي
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في زمن أصبحت فيه التطبيقات الرقمية تتحكم في مفاصل الاقتصاد العالمي، يبرز WhatsApp كواحد من أكثر النماذج إثارة للانتباه، ليس فقط لكونه وسيلة تواصل يومية لمليارات المستخدمين، ولكن لأنه يمثل تحولًا عميقًا في مفهوم الربح الرقمي، حيث لم يعد الأداء الاقتصادي قائمًا على الدفع المباشر، بل على خلق منظومة قيمة متكاملة داخل اقتصاد المنصات. فالتطبيق الذي يبدو مجانيًا في ظاهره، يخفي وراءه نموذجًا اقتصاديًا بالغ الذكاء، تقوده الشركة الأم Meta، التي نجحت في تحويل التواصل البشري إلى مورد اقتصادي غير مباشر عالي العائد.

إن النظرية الاقتصادية الحديثة، خصوصًا ضمن إطار “اقتصاد المنصات” (Platform Economy)، تفسر نجاح واتساب من خلال قدرته على خلق شبكة تفاعلية ضخمة حيث تتزايد القيمة كلما ازداد عدد المستخدمين، وهو ما يعرف بتأثير الشبكة (Network Effect). فواتساب لا يبيع خدمة للمستخدم النهائي، بل يستثمر وجوده داخل منظومة رقمية متكاملة، حيث يتم تحويل هذا الوجود إلى قيمة قابلة للاستثمار من طرف الفاعلين الاقتصاديين، خاصة الشركات. وهنا تتجلى عبقرية النموذج، إذ تتحول الرسائل التي نعتبرها عادية إلى قنوات تجارية مدفوعة، حيث تدفع الشركات مقابل الوصول المباشر إلى الزبناء عبر خدمات WhatsApp Business، سواء لإرسال إشعارات، أو تأكيدات معاملات، أو حتى عروض تسويقية موجهة.

ومن زاوية قانونية، فإن هذا النموذج يطرح تساؤلات عميقة حول حماية المعطيات الشخصية والتوازن بين الاستغلال الاقتصادي للبيانات وحقوق الأفراد. فالتشريعات الدولية، وعلى رأسها القوانين المرتبطة بحماية البيانات، تسعى إلى ضبط هذا التوازن عبر فرض مبادئ الشفافية والموافقة المسبقة، وهو ما ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو تنظيم الاقتصاد الرقمي دون خنق الابتكار. وفي هذا السياق، يصبح واتساب ليس فقط تطبيقًا، بل فاعلًا قانونيًا واقتصاديًا يخضع لمعادلة دقيقة بين الربح والامتثال.

أما من الناحية الاجتماعية، فإن واتساب أعاد تشكيل أنماط التواصل الإنساني، حيث اختزل المسافات وألغى الحدود الزمنية، لكنه في المقابل خلق نوعًا من الاعتماد الرقمي المكثف، وجعل الأفراد جزءًا من دورة اقتصادية دون وعي مباشر بذلك. وهنا تظهر مقاربة المدرسة الاجتماعية التي ترى أن التكنولوجيا ليست محايدة، بل تؤثر في السلوكيات والعلاقات، وتعيد تشكيل التفاعلات داخل المجتمع، بما في ذلك العلاقة بين المستهلك والمؤسسة.

وفي العمق، فإن نموذج واتساب يعكس تحولًا جوهريًا في فلسفة الربح، حيث لم يعد المنتج هو ما يُباع، بل “الانتباه” و”الوصول” و”العلاقة مع المستخدم”. فالشركات لم تعد تبحث فقط عن بيع منتج، بل عن التواجد داخل القناة التي يستعملها المستخدم يوميًا، وهو ما يوفره واتساب بكفاءة عالية. وهنا يتقاطع التحليل الاقتصادي مع الرؤية الاستراتيجية، حيث يصبح التطبيق منصة وساطة بين العرض والطلب، وليس مجرد أداة تقنية.

إن هذا التحول يفرض على الفاعلين الاقتصاديين، خاصة في الدول الصاعدة مثل المغرب، إعادة التفكير في طرق استغلال هذه الأدوات الرقمية، ليس فقط كوسائل تواصل، بل كمنصات أعمال حقيقية. فالمقاولة التي لا تستثمر في قنوات مثل واتساب تفقد جزءًا مهمًا من قدرتها على الوصول المباشر إلى زبنائها، وهو ما يجعل التحول الرقمي ليس خيارًا، بل ضرورة استراتيجية.
ويمكن القول إن واتساب يمثل نموذجًا متقدمًا لاقتصاد غير مرئي في ظاهره، لكنه شديد التأثير في عمقه، حيث تتحول البساطة إلى قوة، والمجانية إلى ربح، والتواصل إلى سوق. وهو ما يؤكد أن المستقبل الاقتصادي لن يُبنى فقط على ما نراه، بل على ما يُدار خلف الشاشات، في عالم أصبحت فيه البيانات والتفاعل البشري أهم من أي مورد تقليدي.