مباشر
مجتمع

مدونة الأسرة المغربية الجديدة: بين مقتضيات الواقع وروح التشريع

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله منذ الأزل، شكلت الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، إذ تقوم عليها أسس الاستقرار والتماسك الاجتماعي. ومع تعاقب الأجيال، شهدت المنظومات الأسرية تغيرات عميقة بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مما فرض على التشريعات مواكبة هذه التحولات لضمان استمرار التوازن داخل المجتمع. والمغرب، كبلد له جذوره العريقة وهويته الإسلامية، يجد نفسه أمام تحدي …

مدونة الأسرة المغربية الجديدة: بين مقتضيات الواقع وروح التشريع
مدونة الأسرة المغربية الجديدة: بين مقتضيات الواقع وروح التشريع
شارك

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

منذ الأزل، شكلت الأسرة النواة الأساسية للمجتمع، إذ تقوم عليها أسس الاستقرار والتماسك الاجتماعي. ومع تعاقب الأجيال، شهدت المنظومات الأسرية تغيرات عميقة بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية، مما فرض على التشريعات مواكبة هذه التحولات لضمان استمرار التوازن داخل المجتمع. والمغرب، كبلد له جذوره العريقة وهويته الإسلامية، يجد نفسه أمام تحدي التوفيق بين مقتضيات العصر ومستجداته، وبين الحفاظ على ثوابت الشريعة الإسلامية والقيم الوطنية. في هذا السياق، تأتي مراجعة مدونة الأسرة كخطوة ضرورية تستوجب نقاشًا عميقًا ومتزنًا يأخذ بعين الاعتبار الواقع الجديد للأسر المغربية.

تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن النساء يمثلن أكثر من نصف سكان المغرب بنسبة 50.3%. كما أن 16.7% من الأسر المغربية، البالغ عددها 8,438,000 أسرة، تُسير من قبل النساء، حيث ترتفع هذه النسبة في الوسط القروي لتصل إلى 19.1%، مقابل 11.4% في الوسط الحضري. هذه الأرقام تعكس الدور المتزايد للمرأة في قيادة الأسر والمساهمة في الاقتصاد الوطني. وفي مجال الأعمال، تبلغ نسبة المقاولات التي ترأسها النساء 12.8%، مع حضور أكبر في قطاع الخدمات بنسبة 17.3%، يليه قطاع التجارة بنسبة 13.8%. أما في الوظيفة العمومية، فتشغل النساء مناصب المسؤولية بنسبة 23.5%، مما يدل على تزايد مشاركة المرأة في مراكز القرار والتسيير.
رغم هذه المؤشرات الإيجابية، إلا أن مشاركة النساء في سوق الشغل لا تزال ضعيفة، حيث بلغ معدل نشاطهن 19.9% مقابل 70.4% لدى الرجال، مما يعني أن ثمان نساء من بين كل عشر خارج سوق الشغل. كما أن معدل الشغل لدى النساء يمثل قرابة ربع نظيره لدى الرجال (16.7% مقابل 62.9%). في المقابل، تخصص النساء 20.8% من وقتهن اليومي للأعمال المنزلية، مقابل 3% فقط للرجال، مما يعكس استمرار الفجوة في توزيع الأدوار داخل الأسرة.
إن مدونة الأسرة المغربية الحالية، رغم الإصلاحات التي شهدتها منذ 2004، أصبحت تواجه تحديات جديدة فرضها التطور الاجتماعي والاقتصادي. فالمكانة المتزايدة للمرأة في سوق العمل، وارتفاع نسب الطلاق، والتغيرات في مفهوم القوامة داخل الأسرة، كلها عوامل تستوجب مراجعة بعض النصوص القانونية لضمان العدالة والتوازن بين الحقوق والواجبات. لم تعد الأسرة المغربية قائمة فقط على دخل الرجل، بل أصبحت المرأة تلعب دورًا محوريًا في إعالة الأسرة، بل وفي بعض الأحيان تتجاوز مساهمتها المالية مساهمة الزوج. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مفهوم القوامة التقليدي، ويدعو إلى التفكير في توزيع أكثر عدالة للمسؤوليات داخل الأسرة، مع مراعاة أن التشريع الإسلامي ذاته قد أقر بمبدأ التشاور والتشارك في تدبير الحياة الأسرية.
الميراث من القضايا الشائكة التي أثيرت بقوة في النقاش العام، حيث يرى البعض ضرورة مراجعة بعض أحكامه لضمان عدالة اجتماعية أكبر، خاصة في الحالات التي تكون فيها المرأة المعيلة الأساسية للأسرة. غير أن أي تعديل في هذا الشأن يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مقاصد الشريعة الإسلامية ومبدأ التدرج في التشريع، تفاديًا لأي صدام قد يؤثر على استقرار المجتمع.
ارتفاع نسب الطلاق أصبح يشكل تهديدًا لاستقرار الأسرة المغربية، ويدفع ثمنه الأطفال الذين يجدون أنفسهم في أوضاع هشة. تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 30,000 حالة زواج لقاصرات يتم الترخيص لها سنويًا في المغرب، وهو رقم يثير القلق حول مستقبل الفتيات وحقوقهن في التعليم والتنمية الشخصية. لذا، فإن المدونة المرتقبة ينبغي أن تتضمن آليات أكثر صرامة فيما يخص إجراءات الطلاق، مع تعزيز آليات الوساطة الأسرية، وضمان حقوق الطفل في النفقة والرعاية.
إن هذه المعطيات تفرض ضرورة مراجعة مدونة الأسرة لتتوافق مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، مع الحفاظ على القيم والثوابت الدينية. يجب أن تأخذ هذه المراجعة بعين الاعتبار تعزيز حقوق المرأة، وضمان حماية الأطفال، وتوفير بيئة أسرية مستقرة تساهم في تنمية المجتمع ككل.
و تبقى تبقى مدونة الأسرة مرآة تعكس تطور المجتمع، ونجاحها مرهون بقدرتها على تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، بين الحداثة والأصالة، وبين الثوابت والتطورات المجتمعية.