مباشر
مال وأعمال

ماذا يُقصد بالتأخير المتزامن، وما أثره على كلاً من المقاول وصاحب العمل؟ ومستجدات الصفقات العمومية بالمغرب

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله يُعتبر التأخير في تنفيذ العقود الإنشائية من أكثر المسائل تعقيدًا في إدارة المشاريع، لما له من تأثيرات متشابكة على أطراف العقد، وخاصة المقاول وصاحب العمل. ومن بين أنواع التأخير التي تُثير الكثير من الجدل هو “التأخير المتزامن”، الذي يطرح تحديات قانونية وعملية عند تحديد المسؤوليات وتوزيع التكاليف بين الأطراف. …

ماذا يُقصد بالتأخير المتزامن، وما أثره على كلاً من المقاول وصاحب العمل؟ ومستجدات الصفقات العمومية بالمغرب
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

يُعتبر التأخير في تنفيذ العقود الإنشائية من أكثر المسائل تعقيدًا في إدارة المشاريع، لما له من تأثيرات متشابكة على أطراف العقد، وخاصة المقاول وصاحب العمل. ومن بين أنواع التأخير التي تُثير الكثير من الجدل هو “التأخير المتزامن”، الذي يطرح تحديات قانونية وعملية عند تحديد المسؤوليات وتوزيع التكاليف بين الأطراف.

التأخير المتزامن هو الحالة التي يحدث فيها تأخيران أو أكثر في نفس الفترة الزمنية، أحدهما ناتج عن المقاول والآخر عن صاحب العمل، مما يجعل من الصعب تحديد المسؤول الرئيسي عن تعطيل المشروع. هذه الظاهرة تؤدي إلى إشكالات عند المطالبة بتمديد مدة العقد أو التعويض عن الأضرار الناجمة عن التأخير، حيث يسعى كل طرف إلى تبرئة نفسه وتحميل المسؤولية للطرف الآخر.

بالنسبة للمقاول، فإن وجود تأخير متزامن قد يكون سلاحًا ذا حدين. فمن جهة، قد يمنحه ذلك الحق في تمديد مدة العقد إذا تمكن من إثبات أن التأخير الناتج عن صاحب العمل كان له تأثير مباشر على سير العمل. ومن جهة أخرى، فإن عدم القدرة على تقديم أدلة كافية قد يؤدي إلى رفض مطالبته بالتمديد أو حتى تحميله تكاليف التأخير. كما أن المقاول قد يجد نفسه محرومًا من المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن التأخير إذا كان جزء منه راجعًا إلى تقصيره الخاص.

أما صاحب العمل، فقد يستخدم التأخير المتزامن كذريعة لرفض منح تمديد زمني للمقاول، بحجة أن جزءًا من التأخير كان بسبب المقاول نفسه. وهذا قد يؤدي إلى فرض غرامات تأخير على المقاول رغم أن التأخير ليس ناتجًا بالكامل عن تقصيره. وفي بعض الحالات، قد يجد صاحب العمل نفسه مجبرًا على تحمل تكاليف إضافية نتيجة تعطيل المشروع، خصوصًا إذا لم يكن هناك وضوح في العقد بشأن كيفية التعامل مع التأخير المتزامن.

ولتجنب النزاعات الناتجة عن هذه الإشكالية، يُنصح بأن يتضمن العقد أحكامًا واضحة تحدد كيفية التعامل مع حالات التأخير المتزامن، وتوضيح المنهجية التي سيتم اعتمادها لتقييم التأخير وأثره على مدة العقد. كما أن اللجوء إلى تقارير الجدولة الزمنية المفصلة واستخدام أساليب تحليل التأخير يمكن أن يساعد في تحديد مدى تأثير كل طرف على التأخير الكلي للمشروع.

وفي سياق متصل، شهدت الصفقات العمومية بالمغرب مستجدات هامة تهدف إلى تحسين الشفافية وتسهيل ولوج المقاولات إلى الطلبيات العمومية. فقد تم تعزيز المقتضيات القانونية الخاصة برقمنة المساطر، ما يسمح بتقديم العروض وتتبع الصفقات عبر المنصات الإلكترونية، مما يقلل من البيروقراطية ويحد من المخاطر المرتبطة بالتلاعب في العروض. كما تم تعديل بعض الشروط المتعلقة بالتأهيل المسبق للمقاولات، مما يمنح فرصًا أوسع للمقاولات الصغرى والمتوسطة للمنافسة العادلة على المشاريع العمومية.

إضافة إلى ذلك، ركزت الإصلاحات الأخيرة على تعزيز مبدأ الأفضلية الوطنية، حيث تم تخصيص نسبة من الطلبيات العمومية لفائدة المقاولات المغربية، خاصة تلك العاملة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا الخضراء. كما تم تشديد العقوبات على الإخلال بالالتزامات التعاقدية، بما في ذلك التأخير غير المبرر في إنجاز المشاريع، ما يجعل إدارة التأخير المتزامن مسألة أكثر حساسية في ظل هذه التعديلات.

في النهاية، يبقى التأخير المتزامن قضية معقدة تتطلب دراسة دقيقة لكل حالة على حدة، مع مراعاة الجوانب القانونية والتقنية للعقد، وهو ما يبرز أهمية وجود إدارة فاعلة للمشروع منذ البداية لتقليل النزاعات وضمان تنفيذ العقد بطريقة سلسة ومتوازنة بين حقوق والتزامات الأطراف. ومع التطورات الجديدة في مجال الصفقات العمومية، أصبح من الضروري أن يكون الفاعلون في القطاع على دراية بالمقتضيات القانونية الحديثة لتفادي المخاطر وتحقيق أفضل النتائج.