من غيور على الجهة
تعد جهة درعة تافيلالت من أغنى جهات المملكة من حيث الموارد الطبيعية والثقافية، لكنها في الوقت نفسه تعاني من تحديات كبرى تعيق مسارها التنموي، مما يجعلها بحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة تضع الاستثمار في قلب اهتماماتها. ورغم الإمكانيات الهائلة التي تزخر بها، إلا أن بنيتها التحتية غير المتصلة بشكل جيد بالمحاور الوطنية الرئيسية، إلى جانب طبيعتها الجغرافية القاسية، تجعلها أقل جاذبية للمستثمرين مقارنة بجهات أخرى. إن العزلة الجغرافية لهذه الجهة، والتي تتجلى في غياب ارتباط فعال بشبكات الطرق السريعة والسكك الحديدية والموانئ، فضلاً عن ضعف الرحلات الجوية، تزيد من صعوبة استقطاب المشاريع الكبرى التي تحتاج إلى سهولة الوصول والربط اللوجستيكي الفعال. كما أن المسافات الكبيرة بين أقاليم الجهة تفرض على مختلف الفاعلين، سواء من القطاع العام أو الخاص أو المجتمع المدني، توحيد الجهود من أجل تحسين مناخ الأعمال وخلق بيئة مشجعة على الاستثمار.
ورغم هذه التحديات، فقد بدأت بوادر التغيير تلوح في الأفق، حيث شهدت الجهة ديناميكية جديدة تتمثل في تعزيز التنسيق بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين، مما أدى إلى تحسن ملحوظ في المؤشرات المرتبطة بجاذبية الاستثمار. ويعود هذا التحسن إلى الجهود المبذولة من قبل المجلس الجهوي والمركز الجهوي للاستثمار، الذي اعتمد على إدارة حديثة وفرق عمل كفؤة، بالإضافة إلى الإرادة القوية للسلطات المحلية، التي تسعى إلى جعل الجهة أكثر تنافسية على المستوى الوطني. إلا أن هذا التحسن يظل محدوداً في ظل ضعف أداء المجالس المنتخبة، التي تعاني من قلة الكفاءة، وغياب التخطيط الاستراتيجي، وضعف التنسيق بين أعضائها، مما يؤدي إلى بطء تنفيذ المشاريع وتعثر العديد من المبادرات التنموية. كما أن غياب رؤى واضحة لدى هذه المجالس يجعل عملية استقطاب المستثمرين أكثر تعقيداً، خاصة أن الجهات المنافسة تعتمد سياسات استثمارية أكثر جاذبية.
من جهة أخرى، تفرض التحولات الاقتصادية العالمية على الجهة إعادة النظر في نموذجها التنموي التقليدي، والبحث عن قطاعات جديدة ذات قيمة مضافة عالية. فبالإضافة إلى القطاعات التقليدية مثل الفلاحة والسياحة والصناعة التقليدية، أصبح من الضروري الانفتاح على مجالات أخرى واعدة، مثل اقتصاد المعرفة الذي يعتمد على الاستثمار في الرأسمال البشري وتشجيع الابتكار. كما يمكن للجهة أن تستثمر في الاقتصاد الأخضر، من خلال تطوير مشاريع الطاقات المتجددة، وإعادة التدوير، والتكنولوجيا الحيوية، التي أصبحت ضرورية لتحقيق الاستدامة وتعزيز تنافسية الاقتصاد الجهوي. ومع ذلك، فإن ضعف التشجيعات الموجهة للمستثمرين، سواء من حيث الحوافز الضريبية أو تسهيل المساطر الإدارية، يبقى من بين العوامل التي تحدّ من إقبال القطاع الخاص على الاستثمار في الجهة. فالعديد من المستثمرين يعانون من تعقيد الإجراءات وطول آجال التراخيص، مما يدفعهم إلى تفضيل جهات أخرى أكثر تنظيماً وجاذبية.
ولا يمكن الحديث عن التنمية دون التطرق إلى البنية التحتية، التي تعد حجر الأساس لجذب الاستثمارات وخلق مناصب الشغل. وفي هذا الإطار، خصصت الجهة ميزانية ضخمة لتحسين الربط الطرقي وتوفير أراضٍ مهيأة للأنشطة الاقتصادية والصناعية. كما تشمل المشاريع الكبرى المبرمجة إنشاء مستشفى جامعي، وجامعة متعددة التخصصات، ومدارس للمهندسين، مما سيساهم في تكوين جيل جديد من الكفاءات القادرة على رفع تحديات المستقبل. إن تحقيق إقلاع اقتصادي حقيقي في درعة تافيلالت يتطلب انخراطاً شاملاً لكل الفاعلين، وتنسيقاً مستمراً بين القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى دعم الدولة عبر سياسات تحفيزية تستجيب لحاجيات المنطقة. كما أن تعزيز التعاون مع المستثمرين الوطنيين والدوليين سيمكن من استغلال المؤهلات الفريدة للجهة وتحويلها إلى قطب اقتصادي قادر على المنافسة، انسجاماً مع الرؤية الملكية الهادفة إلى تقليص الفوارق المجالية وتحقيق التنمية الشاملة.
جهة درعة تافيلالت: بين تحديات العزلة وضعف الحكامة وآفاق التنمية المستدامة
من غيور على الجهة تعد جهة درعة تافيلالت من أغنى جهات المملكة من حيث الموارد الطبيعية والثقافية، لكنها في الوقت نفسه تعاني من تحديات كبرى تعيق مسارها التنموي، مما يجعلها بحاجة إلى رؤية استراتيجية واضحة تضع الاستثمار في قلب اهتماماتها. ورغم الإمكانيات الهائلة التي تزخر بها، إلا أن بنيتها التحتية غير المتصلة بشكل جيد بالمحاور …

