مباشر
فن وثقافة

جبهة البوليساريو والإرهاب: بين أوهام التحرر وخطر التطرف

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في عالم يعيد تشكيل خرائطه الجيوسياسية على وقع أزمات متلاحقة وصعود التحديات الأمنية والاقتصادية، تظل قضية الصحراء المغربية نموذجًا فريدًا لصراع تتقاطع فيه حسابات الهيمنة الإقليمية مع رهانات الأمن والاستقرار. فقد تجاوز الأمر حدود الخلاف الترابي ليُصبح ملفًا أمنيًا دوليًا بامتياز، تداخلت فيه مصالح قوى، وتشابكت عبره خيوط التطرف …

جبهة البوليساريو والإرهاب: بين أوهام التحرر وخطر التطرف
شارك

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في عالم يعيد تشكيل خرائطه الجيوسياسية على وقع أزمات متلاحقة وصعود التحديات الأمنية والاقتصادية، تظل قضية الصحراء المغربية نموذجًا فريدًا لصراع تتقاطع فيه حسابات الهيمنة الإقليمية مع رهانات الأمن والاستقرار. فقد تجاوز الأمر حدود الخلاف الترابي ليُصبح ملفًا أمنيًا دوليًا بامتياز، تداخلت فيه مصالح قوى، وتشابكت عبره خيوط التطرف والانفصال، خاصة مع تورط جبهة البوليساريو في علاقات مشبوهة مع جماعات إرهابية تنشط في منطقة الساحل والصحراء، تحت رعاية مكشوفة من النظام الجزائري.

إن الجزائر، من خلال دعمها المفتوح واللامشروط لجبهة البوليساريو، لا تُسهم فقط في تأجيج نزاع إقليمي مفتعل، بل تُسهم بشكل مباشر في زعزعة الاستقرار الإقليمي، من خلال تحويل مخيمات تندوف إلى بؤر توتر مغلقة تفتقر إلى الرقابة الدولية، حيث يتم استغلال السكان المحتجزين وتجنيد الشباب في أنشطة مشبوهة تشمل التهريب، وتجارة السلاح، والتواصل مع الجماعات الإرهابية. هذا التواطؤ يندرج ضمن رؤية استراتيجية مضادة للتكامل المغاربي، ويكرّس منطق الانقسام في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى توحيد جهودها لمواجهة التحديات المشتركة.

وفي مواجهة هذا المشهد المأزوم، تبرز المملكة المغربية كقوة استقرار وبناء، تعتمد سياسة شاملة تزاوج بين الأمن والتنمية، وتُكرس جهودًا كبيرة لترسيخ السلم والسلام داخل أقاليمها الجنوبية. فمن خلال استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وخلق فرص الشغل، وتعميم الخدمات الاجتماعية، تسعى الدولة المغربية إلى تحقيق تنمية مستدامة حقيقية، تجعل من الصحراء نموذجًا للأقاليم المتقدمة، في انسجام تام مع أهداف التنمية الأممية. ويُعتبر ميناء الداخلة الأطلسي، ومشاريع الطاقة المتجددة، والربط الطرقي، تجليات واضحة لهذه الرؤية المتبصرة.

وفي الميدان الأمني، تبنّت المملكة المغربية مقاربة استباقية جعلتها شريكًا موثوقًا إقليميًا ودوليًا في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث تمكنت من تفكيك عشرات الخلايا الإرهابية، وأحبطت مخططات كانت تستهدف أمن واستقرار المنطقة برمتها. كل ذلك في ظل التزام راسخ بروح التعاون الدولي، واحترام الشرعية، والسعي إلى الحلول السلمية المبنية على التوافق.

وقد جاءت المبادرة المغربية للحكم الذاتي كترجمة لهذا المنطق الواقعي، حيث نالت تأييدًا متزايدًا من المجتمع الدولي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، التي تعتبرها أرضية جادة وذات مصداقية للحل. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الموقف الأمريكي الحاسم، الذي اعترف بسيادة المغرب الكاملة على صحرائه، ما شكّل تحولًا دبلوماسيًا نوعيًا، فتح الباب أمام دعم أوسع لمقترح الرباط باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق في إطار السيادة المغربية.

وفي السياق الأوروبي، تظل فرنسا من بين الدول التي دعمت تاريخيًا الموقف المغربي، واعتبرت مبادرة الحكم الذاتي خيارًا واقعيًا يتماشى مع متطلبات الاستقرار. كما أن العلاقات المغربية–الفرنسية، رغم بعض التقلبات، تبقى محكومة بمنطق التعاون الاستراتيجي، خصوصًا أمام التهديدات المشتركة في منطقة الساحل، التي لن تُحل إلا عبر دعم دولة قوية وموثوقة مثل المغرب.

وما يزيد من مأساوية هذا النزاع المفتعل، هو أنه أصبح عائقًا أمام بناء اتحاد مغاربي حقيقي، يُمكن أن يكون من بين التكتلات الإقليمية الأكثر فاعلية في القارة. فبدل أن تتجه دول المنطقة نحو الانفتاح والتكامل الاقتصادي، وتوظيف مواردها البشرية والطبيعية في بناء مستقبل مشترك، نجد أن الجزائر تُصرّ على تجميد هذا المشروع، عبر دعمها لكيان وهمي يفتقد لأي مقومات الشرعية أو المصداقية.

إن المملكة المغربية، بحكمتها وبعد نظرها، تواصل الدفاع عن حقوقها التاريخية والمشروعة في إطار احترام الشرعية الدولية، مع الحفاظ على بوصلتها الأخلاقية والسياسية الثابتة في تعزيز السلم والسلام. إنها ليست فقط في موقع الدفاع عن وحدة أراضيها، بل تقود نموذجًا يُحتذى في التنمية والاستقرار، ما يجعلها حجر زاوية في أي مقاربة جدية لحل أزمات المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن المجتمع الدولي، وفي مقدمته القوى الكبرى والدول المؤثرة، مدعو اليوم إلى تجاوز منطق الحياد الرمادي، ومساندة الحل المغربي القائم على الحكم الذاتي، كوسيلة وحيدة لإنهاء مأساة تندوف، وإغلاق الطريق أمام الأطماع الانفصالية، والمخططات المرتبطة بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود.