بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
بادو الزاكي، اسم نقش بأحرف من ذهب في تاريخ كرة القدم المغربية والإفريقية. لم يكن مجرد حارس مرمى، بل أيقونة رياضية جمعت بين الموهبة الفريدة، الانضباط الصارم، والروح القتالية العالية. تألقه مع الوداد الرياضي، ثم في الاحتراف الأوروبي، ومشاركاته المشرفة مع المنتخب الوطني، جعلته واحداً من أبرز الشخصيات الرياضية التي أنجبتها المملكة.
بدأت مسيرة بادو الزاكي الكروية مع نادي الوداد الرياضي، أحد أعرق الأندية المغربية. انضم إليه في أواخر السبعينيات وسرعان ما أثبت نفسه كحارس مرمى استثنائي. بفضل ردود أفعاله السريعة، قدرته العالية على التصدي للكرات الصعبة، وشخصيته القيادية، أصبح الحارس الأول للفريق. مع الوداد، ساهم في تحقيق العديد من الألقاب المحلية، وكان أحد العناصر الأساسية في صمود الفريق خلال المواسم الصعبة. أداؤه المبهر جعله محط أنظار الجماهير المغربية، ومهد له الطريق نحو المنتخب الوطني ومن ثم الاحتراف خارج المغرب.
لم يكن تألق الزاكي مقتصراً على الأندية، بل لمع اسمه بشكل أكبر مع المنتخب المغربي، حيث حمل القميص الوطني لعدة سنوات، مقدمًا مستويات عالية جعلته واحداً من أفضل الحراس في تاريخ إفريقيا. كانت أكبر محطاته الدولية في مونديال المكسيك 1986، حيث قاد المنتخب المغربي لتحقيق إنجاز غير مسبوق كأول فريق عربي وإفريقي يتأهل إلى دور الـ 16 في كأس العالم. في تلك البطولة، تألق الزاكي بشكل لافت، حيث دافع عن شباكه أمام منتخبات قوية مثل إنجلترا، بولندا، والبرتغال، وكان أحد الأسباب الرئيسية في تأهل المغرب إلى الدور الثاني. رغم الخسارة أمام ألمانيا في مباراة تاريخية، إلا أن أداء الزاكي جعله محط أنظار العالم، وعزز مكانته كأسطورة في الكرة المغربية. كما شارك في عدة نسخ من كأس أمم إفريقيا، وكان دائماً صمام أمان المنتخب الوطني. ورغم أن اللقب القاري لم يتحقق في عهده كلاعب، إلا أن وجوده بين الخشبات الثلاث كان يعطي ثقة كبيرة لزملائه، وحافزاً للجماهير المغربية التي كانت ترى فيه رمزاً للعزيمة والصمود.
بعد تألقه مع المنتخب المغربي، شد الزاكي الرحال نحو الاحتراف في إسبانيا، حيث انضم إلى نادي مايوركا سنة 1986. هناك، كتب فصلاً جديداً من مسيرته الحافلة، إذ أصبح الحارس الأساسي للفريق لعدة مواسم، وحقق معه نجاحات مميزة، جعلته يحظى بتقدير الجماهير الإسبانية. تألقه الكبير في مايوركا جعله يفوز بجائزة أفضل لاعب أجنبي في الدوري الإسباني عام 1987، وهو إنجاز نادر لحارس مرمى إفريقي في تلك الفترة. لعب دوراً كبيراً في بقاء الفريق ضمن الكبار، وأصبح من أكثر اللاعبين احتراماً في النادي. وبعد سنوات من العطاء في الملاعب الأوروبية، عاد إلى المغرب ليختتم مسيرته كلاعب ويبدأ رحلة جديدة كمدرب.
بعد اعتزاله، لم يبتعد الزاكي عن كرة القدم، بل انتقل إلى التدريب، حيث قاد عدة فرق محلية ودولية. لكن أبرز محطاته التدريبية كانت مع المنتخب المغربي، حين تولى قيادته في كأس أمم إفريقيا 2004 بتونس، حيث وصل إلى النهائي، في إنجاز لم يحققه المغرب منذ 1976. رغم الخسارة أمام تونس في النهائي، إلا أن الجماهير المغربية احتفظت للزاكي بمكانة خاصة، نظراً للأداء المتميز الذي قدمه الأسود تحت قيادته. كما خاض تجارب تدريبية متعددة، مؤكداً مرة أخرى قدرته على التأثير سواء داخل الملعب أو خارجه.
واليوم، وبعد سنوات من العطاء، يظل بادو الزاكي رمزاً للكفاح والانضباط، وقصة نجاح تلهم الأجيال الصاعدة. سواء كلاعب أو كمدرب، كان دائماً نموذجاً للشغف والعزيمة، وأحد أبرز الأسماء التي صنعت مجد الكرة المغربية. قد تتغير أسماء اللاعبين، وقد تختلف الأجيال، لكن اسم بادو الزاكي سيظل محفوراً في ذاكرة المغاربة، كنموذج للتحدي والإصرار، ورمز لحقبة ذهبية لا تُنسى.

