مباشر
مال وأعمال

المغرب :الرقمنة الجبائية في نقل الملكية العقارية: بين إلزامية الإبراء وتكريس الأمن القانوني

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في إطار الدينامية الإصلاحية التي يعرفها النظام الجبائي المغربي، تبرز الدورية المشتركة الصادرة بتاريخ 08 أبريل 2026 كأحد أهم النصوص التنظيمية التي تعكس تحولاً نوعياً في تدبير العلاقة بين الإدارة والملزم، خاصة في مجال المعاملات العقارية. فهي لا تكتفي بإعادة تنظيم مسطرة الحصول على شهادة أداء الضرائب، بل تؤسس …

المغرب :الرقمنة الجبائية في نقل الملكية العقارية: بين إلزامية الإبراء وتكريس الأمن القانوني
المغرب :الرقمنة الجبائية في نقل الملكية العقارية: بين إلزامية الإبراء وتكريس الأمن القانوني
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في إطار الدينامية الإصلاحية التي يعرفها النظام الجبائي المغربي، تبرز الدورية المشتركة الصادرة بتاريخ 08 أبريل 2026 كأحد أهم النصوص التنظيمية التي تعكس تحولاً نوعياً في تدبير العلاقة بين الإدارة والملزم، خاصة في مجال المعاملات العقارية. فهي لا تكتفي بإعادة تنظيم مسطرة الحصول على شهادة أداء الضرائب، بل تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الرقمنة، الشفافية، وتسريع الخدمات، في انسجام تام مع التوجهات الكبرى للدولة نحو تحديث الإدارة وتحسين مناخ الاستثمار.

إن هذه الدورية جاءت لتفعيل مقتضيات قانونية قائمة، وعلى رأسها المادة 95 من مدونة تحصيل الديون العمومية، التي جعلت من الإدلاء بشهادة الإبراء الضريبي شرطاً لازماً لإتمام عمليات تفويت العقارات. غير أن المستجد لا يكمن في الإلزام القانوني في حد ذاته، بل في الكيفية التي سيتم بها تنزيل هذا الالتزام، حيث تم الانتقال من مساطر تقليدية معقدة إلى منظومة رقمية متكاملة تضمن السرعة والفعالية.

لقد كرّست الدورية مبدأ مركزياً بالغ الأهمية، يتمثل في حصر الالتزام الضريبي في حدود العقار موضوع التفويت، بحيث لم يعد من المقبول قانوناً ربط تسليم شهادة الإبراء بوجود ديون جبائية أخرى لا علاقة لها بالعقار. وهذا التوجه يعكس فهماً متقدماً لمبدأ العدالة الجبائية، ويقطع مع ممارسات سابقة كانت تعرقل المعاملات العقارية وتثقل كاهل المستثمرين، مما يشكل خطوة نوعية نحو تعزيز الأمن القانوني واستقرار المعاملات.

ومن الناحية العملية، اعتمدت الإدارة على آليات رقمية حديثة، من خلال منصة SIMPL/Attestation التابعة للخزينة العامة للمملكة، وربطها بقواعد بيانات المديرية العامة للضرائب والجماعات الترابية. هذا التكامل المعلوماتي أتاح إمكانية معالجة الطلبات في آجال قياسية، حيث يتم تسليم الشهادة بشكل فوري في حالة عدم وجود ديون، أو داخل أجل لا يتجاوز 48 ساعة بعد تسوية الوضعية الجبائية.

ولا يخفى أن هذا التحول الرقمي يحمل في طياته آثاراً إيجابية متعددة، سواء على مستوى تبسيط المساطر أو تحسين جودة الخدمات العمومية، فضلاً عن دوره في تعزيز ثقة المستثمرين في المنظومة القانونية والجبائية. فالمعاملات العقارية، التي كانت تعاني من بطء وتعقيد الإجراءات، أصبحت اليوم أكثر سلاسة ووضوحاً، وهو ما ينعكس إيجاباً على دينامية السوق العقاري وعلى جاذبية الاستثمار.

غير أن هذا الإصلاح، رغم أهميته، يطرح في المقابل مجموعة من التحديات المرتبطة بمدى جاهزية البنيات التحتية الرقمية، وكفاءة الموارد البشرية، وقدرة مختلف المتدخلين على التكيف مع هذا التحول. كما أن نجاح هذا الورش يظل رهيناً بمدى تحيين المعطيات الجبائية بشكل دقيق وفوري، وتكريس التنسيق الفعلي بين الإدارات المعنية.

إن القراءة المتأنية لهذه الدورية تكشف أننا أمام تحول بنيوي في فلسفة التدبير الجبائي، حيث لم تعد الإدارة مجرد جهاز رقابي، بل أصبحت فاعلاً خدمياً يسعى إلى تسهيل المساطر وتحقيق النجاعة. وهو ما ينسجم مع المبادئ الدستورية المرتبطة بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

و يمكن القول إن رقمنة مسطرة الحصول على شهادة الإبراء الضريبي في مجال نقل الملكية العقارية تمثل خطوة استراتيجية في مسار تحديث الإدارة المغربية، وتعزيز الأمن القانوني، ودعم الاستثمار. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار النصوص، بل في حسن تنزيلها على أرض الواقع، بما يضمن تحقيق الأهداف المرجوة، ويكرس الثقة بين المواطن والإدارة.

ويبقى المؤكد أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو بناء منظومة إدارية حديثة، يكون فيها القانون أداة للنجاعة، والرقمنة رافعة للتنمية، والمستثمر شريكاً أساسياً في تحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود.