بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في قلب مدينة الرشيدية، ومن حي متواضع بالواد الأحمر، نشأ حمادي حمص وسط أسرة اشتهرت بخفة الدم وروح الدعابة، يتقدمها والده المرحوم الحبيب حمص، الذي استطاع رغم العوز وكثرة الأبناء أن يحوّل بيته إلى واحة من السعادة والمرح. لم يكن هذا مجرد أسلوب عيش، بل كان فلسفة حياة انعكست على أبنائه، وجعلت من حمادي حمص شخصية متميزة بطبعها البشوش والتزامها الفني الراسخ.
ورث حمادي عن والده خفة الظل وروح الدعابة، لكنه أضاف إليها موهبة فنية نادرة جعلته أحد أعمدة فن “البلدي”، هذا الفن الشعبي العريق الذي يعكس هوية وثقافة المنطقة. وفن الغناء البلدي هو لون موسيقي أصيل متجذر في التراث المغربي، خاصة في مناطق الجنوب الشرقي، يتميز بكلماته العفوية المستمدة من الحياة اليومية، وإيقاعاته المتنوعة التي تعكس نبض القبائل والعادات المحلية. يجمع هذا الفن بين الغناء والشعر الشعبي والعيطة الفيلالية، ويُؤدى غالبًا في المناسبات والأعراس، حيث يتحول إلى وسيلة للتعبير عن الفرح، المدح، الغزل وحتى التهكم الاجتماعي.
وقد شكل لقاء حمادي حمص بالفنان الشريف الحمري محطة فارقة، حيث أبدعا معًا في تقديم أغاني خالدة ظلت وفية للأصول العريقة لهذا الفن، من خلال كلمات قوية تعكس عمق التراث المحلي وإيقاع متقن يأسر القلوب. لم يكن حمادي حمص مجرد مؤدٍّ للأغاني، بل كان فنانًا شاملاً، يحوّل الأفراح والمناسبات إلى عروض مسرحية مليئة بالبهجة، بفضل بديهته الحاضرة وقدرته الفريدة على إضحاك الناس.
كانت الأسواق الأسبوعية، خاصة سوق قصر السوق (الذي كان يحمل اسم المدينة في البداية)، مدرسة حقيقية له، حيث احتك بالقبائل المختلفة واستمع إلى القصص الشعبية والحكايات المتوارثة، ما ساهم في صقل موهبته وإغناء رصيده الثقافي والفني.
إلى جانب إتقانه للأغاني القديمة، أبدع حمص برفقة الشريف الحمري روائع لا تزال محفورة في ذاكرة عشاق فن البلدي، مثل “الحمام” و”حبيبي يا لمعادني”، وغيرها من الأغاني التي تغنت بالمدح والغزل والتهكم، وامتزجت بروح العيطة الفيلالية والمايا البلدية.
لكن رغم المسيرة الحافلة، اختار حمادي حمص الاعتزال، وكأنه يعلن أن هذا الفن، رغم عظمته، لم يعد يكفي لمواجهة الحاجة. شكل هذا القرار صدمة لمحبي فن البلدي، خاصة أنه جاء في وقت كانت الساحة في أمسّ الحاجة إلى فنانين من طينته، نادرين بإبداعهم وروحهم الأصيلة.
ورغم ابتعاده عن الساحة، يبقى حمادي حمص اسمًا محفورًا في ذاكرة الفن الشعبي، وإرثه الفني شاهدًا على مرحلة زاهية من تاريخ البلدي. حفظه الله ووفّقه في مسيرته، وشكرًا له على ما قدّمه لهذا التراث العريق.

