بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في عالم يموج بالتغيرات الاقتصادية والسياسية، تتجدد الحاجة إلى الفهم العميق للعوامل التي تشكل التاريخ والمجتمعات. من بين التيارات الفكرية التي أثّرت بعمق في تشكيل رؤيتنا للواقع كانت الفلسفة الماركسية، التي لا تزال منذ أكثر من قرن ونصف تثير الجدل وتلهم التحليلات والنقاشات. إنها ليست فقط نظرية اقتصادية أو سياسية، بل منظومة فكرية متكاملة تُعرف باسم “المادية الجدلية”، وقد جاءت لتقلب الفلسفة التقليدية رأسًا على عقب.
ظهرت الفلسفة الماركسية في منتصف القرن التاسع عشر، في سياق الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية الكبرى في أوروبا. في عام 1848، نشر كارل ماركس وفريدريك إنجلز البيان الشيوعي، الذي يُعدّ من أكثر النصوص تأثيرًا في التاريخ الحديث. لم يكن هذا البيان مجرد دعوة سياسية، بل مقدّمة لفهم فلسفي جديد لطبيعة العالم.
الفلسفة الماركسية تُعرف بـ”المادية الجدلية” لأنها تمزج بين المادية—أي الاعتراف بأن العالم المادي هو الأصل والأساس لكل شيء، بما في ذلك الفكر والوعي—وبين الجدلية، وهي الطريقة التي ترى أن العالم في حالة تغير دائم من خلال الصراع والتناقضات.
قبل ماركس، كان الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770-1831) قد طرح أن “الفكرة” أو “الروح” هي التي تنتج الواقع. لكن ماركس ردّ عليه بقوة، معتبرًا أن الوعي ليس ما يخلق الوجود، بل العكس تمامًا. قال ماركس في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي عام 1859: “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”.
بهذا المعنى، يصبح التاريخ وفق الماركسية سلسلة من الصراعات الطبقية، حيث يتغير المجتمع نتيجة تناقضات داخلية في بنائه الاقتصادي. من العبودية إلى الإقطاع، ثم إلى الرأسمالية، تتغير الأنظمة لا لأن الأفكار تتغير، بل لأن البُنى المادية والعلاقات الاقتصادية تتطور، وتفرض أشكالًا جديدة من التنظيم الاجتماعي والسياسي.
وتشير الدراسات الحديثة إلى استمرار تأثير الفكر الماركسي في فهم المجتمعات الحديثة. ففي تقرير صادر عن “مركز بيو للأبحاث” عام 2020، أظهر أن 19% من سكان العالم يعيشون في دول ذات أنظمة تعتبر الماركسية أساسًا أيديولوجيًا رسميًا، بما في ذلك الصين (أكبر اقتصاد صناعي في العالم بعد الولايات المتحدة)، وفيتنام وكوبا وكوريا الشمالية. وتشير بيانات “صندوق النقد الدولي” إلى أن الصين، التي تتبنى نموذجًا مميزًا من الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، سجلت متوسط نمو اقتصادي قدره 9.5% سنويًا بين عامي 1978 و2018، وهو ما دفع كثيرين لإعادة النظر في فعالية الفلسفات الاقتصادية الغربية الليبرالية.
لكن الماركسية ليست فقط مشروعًا لفهم التاريخ، بل أداة تحليل لفهم الحاضر. حين ننظر إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء عالميًا، نجد أنفسنا أمام معطيات تثبت عمق الأزمة. ففي تقرير صادر عن منظمة “أوكسفام” عام 2023، كُشف أن 1% من سكان العالم يملكون أكثر من 45% من ثرواته، بينما يعيش نحو 3.5 مليار إنسان بأقل من 5.50 دولار في اليوم. هذه الفوارق الصارخة، بحسب كثير من الباحثين، لا يمكن تحليلها بمعزل عن الفهم الماركسي للاقتصاد كمنظومة استغلال وعلاقات قوة.
تقدّم الماركسية منظورًا لا يكتفي بوصف العالم، بل يسعى لتغييره. ولعل هذا ما يجعلها مستمرة في إثارة الاهتمام والرفض في آن معًا، حتى بعد مرور أكثر من 140 عامًا على وفاة ماركس في 14 مارس 1883.
وسواء اتفقت مع أطروحاتها أو خالفتها، تبقى الماركسية والمادية الجدلية من أبرز محاولات العقل البشري لفهم العالم لا كما نتمنى أن يكون، بل كما هو، بكل صراعاته وتحولاته وتناقضاته.

