بقلم الأستاذ: اسليماني مولاي عبد الله
في خطوة تعكس إرادة سياسية حقيقية لإرساء العدالة الاجتماعية وتحسين ظروف العيش للفئات الشغيلة، أعلنت الحكومة المغربية، عبر وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولات الصغرى والتشغيل والكفاءات السيد يونس السكوري، عن رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 20% منذ سنة 2021، وهي سابقة في تاريخ السياسات الاجتماعية بالمملكة.
فقد ارتفع الأجر الأدنى الشهري الصافي في القطاع الخاص من 2638.05 درهم سنة 2021 إلى ما يقارب 3191.85 درهم، باحتساب الزيادة الأخيرة بنسبة 5% المقررة ابتداء من يناير 2026. هذه الزيادة تعني عملياً زيادة تقارب 600 درهم، وتهم أكثر من مليوني عامل مصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مما يعكس حجم التأثير المباشر لهذا الإجراء على الاقتصاد الوطني والسلم الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، سعت الحكومة إلى تقليص الفجوة بين أجور القطاعين الزراعي وغير الزراعي، إذ ارتفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الفلاحي من حوالي 1860 درهم إلى 2360 درهم شهرياً، بزيادة تدريجية على مدى خمس سنوات، على أن يتم توحيد الأجور في كلا القطاعين بشكل كامل بحلول سنة 2028، في بادرة تُحسب للحكومة على صعيد الإنصاف المهني.
إصلاحات الحكومة لم تقتصر على الأجور، بل شملت أيضاً منظومة التقاعد، حيث تم تقليص شرط الاستفادة من معاش التقاعد في القطاع الخاص من 3240 يوم عمل (حوالي 10 سنوات) إلى 1320 يوم عمل فقط (4 سنوات)، وهو ما يُمكّن آلاف المواطنين من ضمان حد أدنى من الكرامة بعد التقاعد. وفي حالة عدم استيفاء هذا الشرط، يتمكن العامل من استرجاع مجموع الاشتراكات التي أدّاها رفقة المشغّل.
وفي ما يخص السياسة الضريبية، استجابت الحكومة لمطالب الشركاء الاجتماعيين عبر خفض الضريبة على الدخل ابتداء من يناير 2025، مما أسفر عن ارتفاع متوسط في مداخيل الطبقة المتوسطة بنحو 400 درهم شهرياً، وهو إجراء من شأنه تخفيف الضغط المالي عن الأسر وتشجيع الاستهلاك الداخلي.
وفي مجال التشريع الاجتماعي، أبدت الحكومة “شجاعة سياسية”، على حد تعبير الوزير، في فتح ملف قانون الإضراب وإعادة صياغته وفق المعايير الدولية، مع إشراك النقابات في مختلف مراحل النقاش.
إن هذه الإصلاحات، وإن كانت تحتاج إلى تعزيزها بمزيد من تدابير العدالة المجالية وتعزيز الرقابة على تنفيذها، إلا أنها تمثل خطوة جريئة نحو إعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، وتكريس مبادئ الإنصاف والكرامة في سوق الشغل المغربي.

