بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
تلعب الشهادة الطبية دورًا حاسمًا في النظام القضائي المغربي، حيث تُعتبر وثيقة رسمية تُستخدم كدليل في مختلف النزاعات القانونية، سواء في القضايا الجنائية أو المدنية. فهي تُعد وسيلة إثبات يعتمد عليها القاضي لتقييم الأضرار الجسدية والنفسية التي قد يكون قد تعرض لها الأفراد، كما تساهم في تحديد مدى مسؤولية الأطراف المتنازعة.
كم من شهادة طبية ورطت بريئا؟ وكم من حرمان من الشهادة برأت ظالما معتديا وجبروتا؟
الشهادة الطبية ومدة العجز ووصفه ركن أساسي وجوهري في تحديد نوع الجريمة وفي اتخاذ تدبير إيقاع الاعتقال، كما أنها محدد أساسي لدرجة العقوبة. يكتسي تقدير الطبيب دورا أساسيا في توصيف حالة شخص يخضع لخبرة فنية أو في التكييف القانوني لمجموعة من الأفعال والتصرفات حسب نتيجتها على الضحية مباشرة من طرف النيابة العامة وقضاة التحقيق وهيئات الحكم.
ولهذا وجب تنظيم منح الشواهد الطبية لما لها من ارتباط بحقوق المواطنين والمتقاضين ومحددة لمصيرهم، وتشديد العقاب على التلاعب بها، خارج النص اليتيم بمجرد تجريم شهادة المجاملة. فكم من بريء سُلبت منه حريته بسبب شهادة طبية مجاملة أو مزورة أو تم تضخيم العجز ومواصفات الإصابات بها؟ وكم من ضحية يرى المعتدي عليه حرا طليقا لعدم إمكانية الأول الحصول على شهادة طبية حقيقية بمواصفات ما تعرض له؟ كم يجب تنظيم منح الشواهد الطبية للموجودين تحت الحراسة النظرية والسماح لهم بفحص طبي ضمانا لحقوقهم، لأنهم غالبا يكونون بدورهم ضحايا ويحرمون من استصدار الشهادة الطبية بفعل الحراسة النظرية أو الاعتقال الاحتياطي.
في القضايا الجنائية، تشكل الشهادة الطبية مرجعًا أساسيًا لتحديد طبيعة الإصابة وخطورتها، مما يساعد السلطات القضائية في تصنيف الفعل الجرمي وفقًا لمقتضيات القانون الجنائي المغربي. فكلما زادت مدة العجز المثبتة في الشهادة الطبية، كلما تغير التكييف القانوني للفعل، مما قد يؤدي إلى تشديد العقوبات على الجاني. كما تستخدم هذه الشهادات في إثبات حالات العنف الأسري، والاعتداءات الجسدية، وحوادث السير، مما يعزز دورها في حماية حقوق الضحايا وضمان تحقيق العدالة.
فالشهادة الطبية هي التي تحدد مقدار ونسبة العجز المؤقت أو الكلي، وتصبح ركنا في الجريمة لتحديد ما إذا كان الفعل مجرد عنف وإيذاء خفيف، الذي يخضع تجريمه والعقاب عليه طبقا للمادة 408 من القانون الجنائي. أما العنف الذي يؤدي إلى عجز يوازي أو يفوق 21 يوما فهو منظم تجريمه بالمادة 409، وعقوبته الحبس من سنتين إلى خمس سنوات. وفي هذه المادة تظهر سلطة النيابة العامة أكثر قوة لإيقاع تدبير الاعتقال، وغالبا ما يطالب الضحايا ويتوسلون هذا النوع من الشواهد الطبية لما لها من تأثير على النيابة العامة.
أما العنف الذي يؤدي إلى إحداث عاهة مستديمة (المادة 410) أو الموت (المواد 410/2 و410/3 و410/4)، فإن هذا العنف ينقل الجريمة إلى وصف جناية وينقل الاختصاص إلى الوكيل العام وقضاة التحقيق وغرفتي الجنايات الابتدائية والاستئنافية بمحاكم الاستئناف. وتصبح العقوبة ثقيلة، وتتراوح حسب نتيجة العنف ما بين السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة في الأولى، والمؤبد في الثانية، والإعدام في الثالثة والرابعة.
أما في المجال المدني، فإن الشهادة الطبية تعد عنصرًا جوهريًا في تحديد التعويضات المستحقة عن الأضرار الجسدية أو النفسية التي تلحق بالأفراد نتيجة إهمال أو خطأ طبي أو حادثة شغل. تعتمد المحاكم على التقارير الطبية الصادرة عن الأطباء المعتمدين لتقدير مدى الضرر وتحديد التعويض المناسب للمتضرر، وفقًا للقوانين والتشريعات الجاري بها العمل.
لكن الإشكاليات التي تطرحها الشهادات الطبية في القضاء المغربي تتجلى في مدى مصداقيتها واعتمادها كدليل قاطع. فقد يتم الطعن في صحتها أو الادعاء بوجود تلاعب أو مبالغة في تحديد مدة العجز، مما يستدعي تدخل الخبرة الطبية المضادة للتأكد من صحة الادعاءات. كما أن التباين في التقديرات الطبية قد يثير نزاعات بين الأطراف المتقاضية، مما يجعل القضاء في حاجة إلى مقاربة دقيقة ومتوازنة تأخذ بعين الاعتبار مختلف المعطيات والظروف.
في ضوء هذه الأهمية، يحرص المشرع المغربي على وضع ضوابط دقيقة لاعتماد الشهادة الطبية في القضايا القضائية، حيث ينظم القانون معايير إعدادها وإصدارها، ويحدد الجهات المختصة بمنحها، كما ينص على العقوبات التي قد تترتب عن تزويرها أو الإدلاء بمعطيات كاذبة فيها. وهو ما يهدف إلى تحقيق العدالة وضمان حقوق جميع الأطراف.
إن دور الشهادة الطبية في القضاء المغربي يتجاوز كونها مجرد وثيقة، فهي تشكل وسيلة أساسية لتحقيق الإنصاف، وحماية الحقوق، وضمان تعويض المتضررين، مما يجعلها أداة لا غنى عنها في سير العدالة وترسيخ دولة القانون

