مباشر
مال وأعمال

الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP): رافعة استراتيجية لتمويل التنمية وتحقيق النجاعة الاقتصادية

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتزايد الضغط على الموارد العمومية، أصبحت الدول، ومنها المملكة المغربية، تبحث عن نماذج مبتكرة لتمويل مشاريع البنية التحتية وتحسين جودة الخدمات العمومية دون إثقال كاهل الميزانية العامة. وفي هذا السياق، برزت الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP) كآلية تعاقدية حديثة تجمع بين قوة الدولة …

الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP): رافعة استراتيجية لتمويل التنمية وتحقيق النجاعة الاقتصادية
الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP): رافعة استراتيجية لتمويل التنمية وتحقيق النجاعة الاقتصادية
شارك

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتزايد الضغط على الموارد العمومية، أصبحت الدول، ومنها المملكة المغربية، تبحث عن نماذج مبتكرة لتمويل مشاريع البنية التحتية وتحسين جودة الخدمات العمومية دون إثقال كاهل الميزانية العامة. وفي هذا السياق، برزت الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP) كآلية تعاقدية حديثة تجمع بين قوة الدولة التنظيمية وخبرة القطاع الخاص التقنية والمالية، في إطار توزيع متوازن للمخاطر والمسؤوليات وتحقيق منفعة مشتركة قائمة على الأداء والنتائج.

تقوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أساس عقد طويل الأمد يحدد بدقة التزامات كل طرف، حيث يتكفل القطاع الخاص عادة بتمويل وإنجاز وتشغيل المشروع، بينما يحتفظ القطاع العام بدور الإشراف والتتبع وضمان تحقيق المصلحة العامة. ويتميز هذا النموذج بكونه لا يقتصر على نقل عبء التمويل فقط، بل يتعداه إلى إدماج معايير النجاعة والابتكار في تدبير المشاريع العمومية، وهو ما يعكس تحولا من منطق “الإنفاق العمومي” إلى منطق “الاستثمار العمومي المنتج”.

من الناحية الاقتصادية، تستند الشراكات (PPP) إلى نظرية الكفاءة التخصيصية التي تفترض أن توزيع الموارد بين الفاعلين الأكثر قدرة على استغلالها يؤدي إلى تحقيق أفضل النتائج بأقل تكلفة. فالقطاع الخاص يمتلك مرونة في التدبير وسرعة في التنفيذ، بينما يوفر القطاع العام الإطار القانوني والاستقرار المؤسساتي. هذا التكامل يساهم في تقليص كلفة المشاريع وتحسين جودتها، كما يتيح للدولة توجيه مواردها نحو القطاعات الاجتماعية الحيوية.

أما من الناحية القانونية، فإن الشراكات بين القطاعين تخضع في المغرب لإطار قانوني منظم، خاصة القانون رقم 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والذي تم تعديله وتتميمه لاحقاً لتعزيز الشفافية وتوسيع نطاق تطبيقه. ويحدد هذا القانون شروط إبرام العقود، وآليات المنافسة، وضوابط التوازن المالي للعقد، إضافة إلى قواعد توزيع المخاطر بين الأطراف، بما يضمن حماية المال العام وتحقيق العدالة التعاقدية. كما أن هذا الإطار ينسجم مع المعايير الدولية، خاصة توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في مجال تمويل البنية التحتية.

ومن الزاوية الاجتماعية، تمثل الشراكات (PPP) أداة لتحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المناطق، من خلال تسريع إنجاز المشاريع الكبرى في مجالات حيوية مثل الطرق، الطاقة، الماء، الصحة، والتعليم. كما تساهم في خلق فرص الشغل وتعزيز نقل التكنولوجيا، وهو ما ينسجم مع التوجهات الاستراتيجية للمملكة المغربية في تحقيق تنمية مستدامة وشاملة، وفق الرؤية الملكية السامية.

غير أن نجاح هذا النموذج يظل رهينا بحسن الحكامة وجودة إعداد المشاريع، إذ أن سوء توزيع المخاطر أو غياب الشفافية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كارتفاع كلفة الخدمات أو تحميل الدولة التزامات مالية مستقبلية غير محسوبة. لذلك، فإن اعتماد مقاربة دقيقة في دراسة الجدوى، وتفعيل آليات التتبع والمراقبة، وتعزيز الكفاءات داخل الإدارة العمومية، يشكل شروطا أساسية لضمان نجاح الشراكات وتحقيق أهدافها التنموية.

وفي التجربة المغربية، تم تسجيل تقدم ملحوظ في اعتماد هذا النموذج، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة (مثل مشاريع “نور” للطاقة الشمسية)، والموانئ، والنقل، وهو ما يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في مناخ الأعمال بالمغرب. كما أن التوجه نحو تعميم هذا النموذج في قطاعات جديدة يؤكد إرادة الدولة في تحديث أساليب التدبير العمومي وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص كخيار استراتيجي.

إن الشراكات بين القطاعين العام والخاص لم تعد مجرد خيار تقني لتمويل المشاريع، بل أصبحت فلسفة تدبيرية قائمة على التعاون والتكامل وتحقيق القيمة المضافة المشتركة. وهي بذلك تمثل أحد أهم الأدوات الحديثة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، شريطة أن تُؤطر بحكامة رشيدة ورؤية استراتيجية واضحة تضع المصلحة العامة في صلب كل مشروع.