مباشر
مجتمع

الرشيدية.. مدينة الملحون التي تُغني التراث المغربي وتُقاوم التحديات

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله في قلب الجنوب الشرقي المغربي، تطل علينا مدينة الرشيدية ليس فقط كواحة من الجمال الطبيعي، بل كمنارة ثقافية تحتفي بفن عريق متجذر في وجدان المغاربة: فن الملحون. هذه المدينة، التي أضحت تُعرف بلقب “مدينة الملحون”، استطاعت أن تُعيد لهذا اللون الغنائي التراثي بريقه من خلال احتضانها لفعاليات ثقافية مميزة، …

الرشيدية.. مدينة الملحون التي تُغني التراث المغربي وتُقاوم التحديات
شارك

بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في قلب الجنوب الشرقي المغربي، تطل علينا مدينة الرشيدية ليس فقط كواحة من الجمال الطبيعي، بل كمنارة ثقافية تحتفي بفن عريق متجذر في وجدان المغاربة: فن الملحون. هذه المدينة، التي أضحت تُعرف بلقب “مدينة الملحون”، استطاعت أن تُعيد لهذا اللون الغنائي التراثي بريقه من خلال احتضانها لفعاليات ثقافية مميزة، أبرزها “ملتقى سجلماسة لفن الملحون”، الذي أصبح محطة وطنية بامتياز.

ينظم هذا الملتقى سنوياً بمبادرة من وزارة الثقافة المغربية وبتنسيق مع عمالة إقليم الرشيدية، ويتوزع على مدن الرشيدية والريصاني وأرفود، في خطوة تهدف إلى إحياء الذاكرة الفنية للمنطقة وتعزيز حضور هذا الفن بين الأجيال الجديدة. وتتميز هذه التظاهرة بإشراك الأطفال دون سن الثامنة عشرة في مسابقات للإنشاد والنظم والعزف، مما يُشكل منصة لإبراز المواهب الشابة وصون استمرارية هذا الفن عبر الأجيال.

وجاء تتويج هذه الجهود بإدراج فن الملحون، في ديسمبر 2023، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية من قبل منظمة اليونسكو، في اعتراف عالمي بأهمية هذا الموروث الفني في تشكيل الهوية الثقافية المغربية. واحتفاءً بهذا الحدث البارز، احتضنت الرشيدية الدورة التاسعة والعشرين من ملتقى سجلماسة في مايو 2024، تحت شعار “فن الملحون تراث عالمي”، وهي دورة شهدت مشاركة واسعة من فرق فنية ومهتمين من مختلف مناطق المغرب.

غير أن هذه الدينامية الثقافية تواجه اليوم جملة من الإكراهات، أبرزها ضعف الدعم المالي، وغياب بنيات تحتية ثقافية متخصصة تستوعب مختلف الأنشطة الفنية، إلى جانب تراجع اهتمام فئات واسعة من الشباب بالفنون التراثية لصالح الأنماط الحديثة. كما أن توثيق هذا التراث وترويجه رقمياً لا يزال محدوداً، مما يُضعف من حضوره في المشهد الثقافي الوطني والدولي.

أمام هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى اعتماد استراتيجية شاملة للحفاظ على هذا الموروث الثقافي، من خلال تعزيز التعليم الفني، وتشجيع البحث الأكاديمي حول فن الملحون، ودعم الجمعيات الثقافية الفاعلة في هذا المجال، فضلاً عن إشراك الإعلام في إبراز رموزه وقضاياه.

الرهان على الملحون في الرشيدية لم يكن وليد اللحظة، بل هو خيار استراتيجي يعكس ارتباط سكان المنطقة بتراثهم ورغبتهم في تثمينه وتطويره. وهكذا، تتحول الرشيدية إلى فضاء ينبض بالحياة الفنية، يجدد الصلة بين الماضي والحاضر، ويمنح لفن الملحون فضاءً جديداً ليُزهر من جديد، ليس فقط داخل المغرب، بل على الساحة الثقافية العالمية.