بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعرفها القارة الإفريقية، يبرز تطور مواقف بعض الدول، وعلى رأسها جمهورية مالي، الداعمة لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، ليس كحدث معزول أو “انتصار سياسي” بالمعنى الدعائي، بل كنتيجة لمسار استراتيجي عميق أعاد تشكيل قواعد اللعبة الدبلوماسية في إفريقيا. إن القراءة السطحية لهذا التحول تغفل جوهر التحول الحقيقي، الذي لم يكن في عدد الدول التي غيرت مواقفها، بل في تغيير طبيعة السؤال نفسه: من نزاع حول الاعتراف إلى نقاش حول الحل الواقعي والقابل للتطبيق.
لقد انتقلت الدبلوماسية المغربية من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل الاستباقي، عبر ما يمكن تسميته “إعادة هندسة البيئة الإفريقية”. فالعودة إلى الاتحاد الإفريقي لم تكن مجرد خطوة رمزية، بل كانت استعادة لمجال التأثير وإعادة تموقع داخل فضاء صنع القرار. داخل هذا الإطار، لم يعد النقاش يتمحور حول وجود النزاع، بل حول الحل الممكن، وهو تحول استراتيجي يعكس عمق الرؤية المغربية، لأن من يتحكم في صياغة السؤال، يحدد بطبيعة الحال حدود الإجابة.
ومن منظور اقتصادي، لم تعد المواقف السياسية تُبنى فقط على الخطاب أو الاصطفاف الإيديولوجي، بل أصبحت مرتبطة بشبكات المصالح. فقد نجح المغرب في بناء عرض متكامل يشمل الاستثمار، والبنية التحتية، والتعاون الأمني، والتكوين البشري، مما جعل كلفة معارضته أعلى من كلفة دعمه. بالنسبة لدولة مثل مالي، التي تواجه تحديات أمنية معقدة في منطقة الساحل، يصبح معيار الاختيار براغماتياً: من يقدم حلولاً واقعية، وليس من يكتفي بسرديات نظرية أو مواقف جامدة.
ومن الناحية القانونية، اعتمد المغرب على توظيف ذكي للشرعية الدولية، حيث لم يكتف بالاستناد إلى قرارات الأمم المتحدة، بل عمل على توجيهها نحو سقف محدد يتمثل في “حل سياسي واقعي، دائم، وقابل للتوافق”. ومع تكرار هذا التوصيف في قرارات مجلس الأمن، تحولت اللغة القانونية إلى معيار موضوعي لتقييم المواقف، وأصبح أي موقف خارج هذا الإطار يفقد تدريجياً شرعيته في المنظومة الدولية.
وفي هذا السياق، تبرز المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، التي ترى أن الفاعلين الدوليين يعيدون تموقعهم بناءً على توازن المصالح وليس على الاعتبارات الرمزية. فكل دولة تعيد حساباتها وفق كلفة وفائدة موقفها، ومع مرور الوقت، يصبح التمسك بالمواقف التقليدية أكثر كلفة من مراجعتها. وهنا تكمن قوة المقاربة المغربية، التي لم تسعَ إلى تحقيق انتصار لحظي، بل إلى بناء مسار تراكمي يجعل النتيجة شبه حتمية.
كما أن تفكيك رواية الخصم لم يتم عبر المواجهة المباشرة، بل عبر تراكم عملي شمل فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز الحضور الدولي، وتراجع قابلية تسويق “الكيان الانفصالي” في بيئة دولية أصبحت تُعلي من معيار السيادة الفعلية والقدرة على التدبير الترابي. وبهذا، لم يعد الاعتراف بهذا الكيان موقفاً محايداً، بل أصبح عبئاً سياسياً يحتاج إلى تبرير.
ومن زاوية اجتماعية وسياسية، فإن هذا التحول يعكس أيضاً تطوراً في الوعي الإفريقي، الذي أصبح يميل إلى الحلول الواقعية والتنموية بدل الانخراط في نزاعات طويلة الأمد تستنزف الموارد. فالدول الإفريقية اليوم تبحث عن شركاء يقدمون قيمة مضافة حقيقية، وهو ما نجح المغرب في ترسيخه عبر نموذج تعاون جنوب-جنوب قائم على الشراكة والاحترام المتبادل.
إن قرار مالي، في هذا السياق، لا يمكن اعتباره مفاجأة، بل هو حلقة ضمن سلسلة من التحولات التي تعكس إعادة توزيع تدريجية للكلفة السياسية داخل القارة. فكل دعم لمقترح الحكم الذاتي يرفع منسوب “المعقول الدولي”، وكل تراجع عن الاعتراف بالكيان الانفصالي يعيد الضغط على الأطراف التي لا تزال متمسكة بمواقفها القديمة.
إن نجاح الدبلوماسية المغربية لا يكمن في تحقيق انتصارات ظرفية، بل في تغيير قواعد اللعبة نفسها، من صراع حول الاعتراف إلى توافق متنام حول الحل. إنها دبلوماسية المسار لا اللحظة، دبلوماسية “التكييف الهادئ” التي تجعل موقف المغرب هو الخيار الأقل كلفة والأكثر عقلانية بالنسبة للآخرين. وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة، لا يعود الاحتفال ضرورياً، لأن التحولات ستحدث تلقائياً… فالدبلوماسية الذكية لا تفرض نفسها، بل تجعل الآخرين يعيدون التموضع لصالحها.

