مباشر
حوادث

الحرب على إيران: بين الشرعية الدولية وصراع الهيمنة العالمية

بقلم الأستاذ الدكتور اسليماني مولاي عبد الله في عالم يتسم بتشابك المصالح وتعقيد موازين القوى، لم تعد الحروب تُفهم فقط في إطارها العسكري المباشر، بل أصبحت تعبيرًا مركبًا عن صراع قانوني وسياسي واقتصادي يعكس تحولات النظام الدولي. وفي هذا السياق، يطرح التساؤل حول الحرب على إيران إشكالية جوهرية تتجاوز ثنائية “الحق والباطل”، لتدخل في عمق …

الحرب على إيران: بين الشرعية الدولية وصراع الهيمنة العالمية
الحرب على إيران: بين الشرعية الدولية وصراع الهيمنة العالمية
شارك

بقلم الأستاذ الدكتور اسليماني مولاي عبد الله

في عالم يتسم بتشابك المصالح وتعقيد موازين القوى، لم تعد الحروب تُفهم فقط في إطارها العسكري المباشر، بل أصبحت تعبيرًا مركبًا عن صراع قانوني وسياسي واقتصادي يعكس تحولات النظام الدولي. وفي هذا السياق، يطرح التساؤل حول الحرب على إيران إشكالية جوهرية تتجاوز ثنائية “الحق والباطل”، لتدخل في عمق النقاش حول الشرعية الدولية، السيادة، وتوازن القوى العالمية.

إن المدخل القانوني لهذا النقاش يستند بالأساس إلى مبادئ القانون الدولي العام، وخاصة تلك المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، الذي يؤسس لقاعدة جوهرية مفادها حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، إلا في حالتي الدفاع الشرعي عن النفس أو بقرار صادر عن مجلس الأمن. غير أن التطبيق العملي لهذه القواعد يكشف عن فجوة واضحة بين النص القانوني والممارسة السياسية، حيث يتم في كثير من الأحيان توظيف مفاهيم مثل “التهديد الوقائي” أو “الأمن القومي” لتبرير تدخلات عسكرية تثير جدلاً واسعًا حول مدى مشروعيتها.

ومن زاوية المدرسة القانونية الواقعية، التي ترى أن القانون الدولي يتأثر بموازين القوة أكثر مما يحكمها، فإن الحروب المعاصرة لا تُفهم إلا في إطار الصراع بين القوى الكبرى، حيث تتحول الشرعية إلى أداة تأويلية تُستخدم وفقًا للمصالح الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، يمكن فهم التوترات المرتبطة بإيران باعتبارها جزءًا من معادلة أوسع تتداخل فيها اعتبارات الأمن الإقليمي، خاصة في الشرق الأوسط، مع رهانات الطاقة والتوازنات الجيوسياسية.

أما على المستوى الاقتصادي، فإن النظرية الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية تُبرز أن الصراعات المسلحة غالبًا ما ترتبط بالتحكم في الموارد الحيوية، وعلى رأسها الطاقة. فإيران تُعد من أبرز الدول المنتجة للنفط والغاز، ما يجعلها عنصرًا محوريًا في سوق الطاقة العالمية، ويضعها في قلب التنافس بين القوى الكبرى، سواء من حيث تأمين الإمدادات أو إعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فصل أي مواجهة محتملة عن رهانات التحكم في تدفقات النفط والغاز، ولا عن تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الأسواق الناشئة والدول المستوردة للطاقة.

وفي البعد الاجتماعي، تبرز المدرسة السوسيولوجية للنزاعات التي تؤكد أن الحروب لا تقتصر آثارها على الدول، بل تمتد لتطال المجتمعات بشكل عميق، من خلال تفكيك البنيات الاجتماعية، وزيادة معدلات الفقر والهجرة، وخلق أزمات إنسانية معقدة. والحالة الإيرانية، في حال تصاعد النزاع، لن تكون استثناءً، بل قد تؤدي إلى زعزعة استقرار منطقة بأكملها، مع ما يترتب عن ذلك من تداعيات على الأمن الإقليمي والدولي.

إن تحليل هذه الإشكالية يفرض كذلك استحضار دور الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تعتبران أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديدًا استراتيجيًا، في مقابل تأكيد إيران على حقها في تطوير برنامج نووي سلمي في إطار المعاهدات الدولية. هذا التباين في التفسير يعكس إشكالية أعمق تتعلق بغياب توافق دولي حقيقي حول مفهوم الأمن، وحدود السيادة، وحق الدول في امتلاك أدوات القوة.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن توصيف الحرب على إيران باعتبارها “ظلمًا” أو “مشروعة” لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحليل شامل يجمع بين القانون والسياسة والاقتصاد. فإذا كانت الشرعية القانونية تقتضي احترام قواعد ميثاق الأمم المتحدة، فإن الواقع الدولي يكشف أن هذه القواعد غالبًا ما تُخضع لمنطق القوة والمصلحة. ومن هنا، فإن أي حرب لا تستند إلى مبرر قانوني واضح ومثبت، تظل أقرب إلى منطق العدوان، حتى وإن تم تغليفها بخطاب قانوني أو أمني.

وفي الخلاصة، يمكن القول إن الحرب على إيران، في حال وقوعها خارج إطار الشرعية الدولية الصارمة، تمثل انزلاقًا خطيرًا نحو تقويض النظام القانوني الدولي، وتعكس في جوهرها استمرار هيمنة منطق القوة على حساب منطق القانون. وهو ما يفرض على المجتمع الدولي، وعلى الدول الصاعدة والنامية، إعادة التفكير في آليات حماية السلم الدولي، وتعزيز دور المؤسسات متعددة الأطراف، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين السيادة، الأمن، والعدالة الدولية.