بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في عالم تدبير المشاريع، حيث تُبنى القرارات على مؤشرات الأداء، الجداول الزمنية، والميزانيات المحددة بدقة، تظل هناك منطقة رمادية لا تخضع للقياس المحاسبي ولا تظهر في التقارير الرسمية، لكنها تؤثر بشكل حاسم في نجاح أو فشل المشروع. هذه المنطقة هي ما يمكن تسميته بـ”التعويضات غير المرئية”، وهي تلك الجهود الإضافية، التنازلات التنظيمية، والتكاليف غير المباشرة التي تتحملها المؤسسة أو الموارد البشرية من أجل الحفاظ على استمرارية المشروع رغم اختلالاته.
إن المقاربة الاقتصادية الكلاسيكية، المستندة إلى المدرسة النيوكلاسيكية، تفترض أن المشروع كيان عقلاني يتم تدبيره وفق معادلة التكلفة/المنفعة، حيث تكون الموارد محدودة ويتم تخصيصها بكفاءة لتحقيق أقصى عائد ممكن. غير أن هذه الرؤية تتجاهل ما يعرف في أدبيات التدبير بـ”التكاليف الخفية”، التي لا يتم تسجيلها في المحاسبة العامة، لكنها تستهلك جزءاً كبيراً من الطاقة التنظيمية. فحين يعمل الأجير ساعات إضافية غير مؤداة، أو حين يتم استنزاف خبرات داخلية لتعويض ضعف التخطيط، فإننا أمام تكلفة حقيقية، وإن كانت غير ظاهرة.
ومن زاوية اجتماعية، تبرز هذه التعويضات غير المرئية كآلية تكيف داخلية داخل التنظيمات، حيث يتحول الأفراد إلى “ممتصات صدمات” للأخطاء الهيكلية. وهو ما يتقاطع مع المدرسة السوسيولوجية للتنظيمات التي ترى أن المؤسسة ليست مجرد هيكل رسمي، بل نظام حي قائم على توازنات دقيقة بين الرسمي وغير الرسمي. فكلما اختل التوازن الرسمي، تدخلت الآليات غير الرسمية لتعويض الخلل، وغالباً ما يكون ذلك على حساب الصحة النفسية والرضا المهني للأجراء، مما يفتح الباب أمام ظواهر مثل الاحتراق الوظيفي، ضعف الانتماء، وتراجع الإنتاجية على المدى المتوسط والبعيد.
أما من الناحية القانونية، فإن هذه التعويضات غير المرئية تطرح إشكالات عميقة تتعلق بمسؤولية المشغل. فالتشريع المغربي، من خلال مدونة الشغل، يحدد بوضوح قواعد مدة العمل، الأجر، والراحة الأسبوعية، ويُلزم المشغل بضمان السلامة الجسدية والنفسية للأجراء. وبالتالي، فإن التساهل مع العمل غير المصرح به، أو الضغط غير المبرر لتحقيق أهداف المشروع، قد يُكيف قانوناً كإخلال بالالتزامات التعاقدية أو حتى كنوع من المخاطر المهنية غير المعلنة، مما يعرض المؤسسة لمنازعات قضائية وتعويضات مالية محتملة.
وفي إطار المدرسة الحديثة للحكامة، فإن وجود تعويضات غير مرئية يعكس خللاً في منظومة القيادة واتخاذ القرار. فالمشروع الذي يعتمد على “بطولة الأفراد” بدل “منهجية النظام” هو مشروع هش بطبيعته، لأن استمراريته رهينة بقدرة الأشخاص على التضحية، وليس بفعالية النموذج التنظيمي. وهنا يظهر الفرق بين التدبير التقليدي القائم على الرقابة، والتدبير الحديث القائم على الشفافية، الاستباق، وإدارة المخاطر.
كما أن التحليل المالي المتقدم، خاصة في إطار المراجع الحديثة مثل IFRS والممارسات الجيدة في التدقيق، بدأ يأخذ بعين الاعتبار مفهوم الأداء الشامل (Global Performance)، الذي لا يقتصر على النتائج المالية، بل يشمل أيضاً رأس المال البشري، جودة العمليات، والاستدامة التنظيمية. وهو ما يستدعي تطوير أدوات قياس جديدة قادرة على رصد هذه التعويضات غير المرئية وتحويلها إلى مؤشرات قابلة للتحليل.
إن تجاوز هذا الإشكال لا يتم فقط عبر تحسين التخطيط، بل يتطلب تحولاً عميقاً في فلسفة تدبير المشاريع، من منطق “تحقيق الهدف بأي ثمن” إلى منطق “تحقيق الهدف بأقل تكلفة شاملة ممكنة”. وهذا يمر عبر إدماج أدوات مثل تحليل الفجوات (Gap Analysis)، العودة إلى التجربة (REX)، التدقيق التنظيمي، وقياس مناخ العمل، إضافة إلى تعزيز ثقافة الإفصاح الداخلي وتشجيع الأجراء على التعبير عن الاختلالات دون خوف.
وفي السياق المغربي، حيث تعرف المشاريع العمومية والخاصة تحديات متزايدة مرتبطة بالتمويل، الحكامة، والموارد البشرية، فإن تجاهل التعويضات غير المرئية قد يؤدي إلى تضخم التكاليف الحقيقية، تعثر المشاريع، أو حتى فشلها رغم توفر كل المؤشرات الظاهرية للنجاح. وهو ما يفرض على صناع القرار، سواء في القطاع العام أو الخاص، إعادة النظر في نماذج التدبير المعتمدة، والانتقال نحو مقاربات أكثر شمولية وواقعية.
و يمكن استخلاص أن المشروع لا يُقاس فقط بما يظهر في التقارير، بل أيضاً بما يُخفى بين سطورها. فالتعويضات غير المرئية ليست مجرد تفاصيل هامشية، بل هي مؤشر استراتيجي على صحة المشروع. وكل مشروع لا يملك القدرة على كشف هذه التكاليف وإدارتها، هو مشروع معرض، عاجلاً أو آجلاً، لفقدان توازنه، مهما بدا ناجحاً في الظاهر.

