بقلم: الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله
في العقود الأخيرة، شهد العالم تحولات جذرية في مجال حقوق المرأة، حيث ناضلت الحركات النسوية لتحقيق المساواة بين الجنسين في مختلف المجالات. وقد أسفرت هذه الجهود عن إنجازات ملموسة، مثل حصول المرأة على حق التصويت، وزيادة فرص التعليم، وتحقيق بعض المساواة في الأجور. فعلى سبيل المثال، في المملكة المتحدة، أدى تصاعد الرأي العام المؤيد للمساواة القانونية خلال ستينيات القرن العشرين إلى سنّ قوانين مثل قانون التمييز على أساس الجنس لعام 1975 وقانون المساواة في الأجور، مما عزز من حقوق المرأة في سوق العمل.
ومع ذلك، يثار جدل حول بعض التيارات النسوية التي قد تتجاوز حدود المطالبة بالحقوق المشروعة إلى تبني أيديولوجيات قد تؤثر سلبًا على بنية المجتمع والأسرة. ففي الولايات المتحدة، تأسست المنظمة الوطنية للمرأة (NOW) في عام 1966 بهدف تحقيق المساواة لجميع النساء، وقادت جهودًا لإقرار تعديلات دستورية تضمن حقوقًا متساوية. ومع ذلك، أثارت بعض التشريعات جدلاً حول مدى تحقيقها للتوازن والإنصاف بين الجنسين.
من الناحية الاقتصادية، يمكن تحليل أثر الحركات النسوية من خلال نظرية تقسيم العمل التي طرحها الاقتصادي آدم سميث، والتي تؤكد أن تقسيم المهام في المجتمع يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والكفاءة. ومع دخول النساء إلى سوق العمل بأعداد متزايدة، شهدت الاقتصادات نموًا ملحوظًا. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة، ارتفعت نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة من 32% في عام 1950 إلى 57% في عام 2018. ومع ذلك، تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء، عند احتساب كل من العمل المدفوع وغير المدفوع، يعملن في المتوسط أكثر من الرجال. ففي المناطق الريفية لبعض البلدان النامية، تعمل النساء حوالي 20% أكثر من الرجال، أي ما يعادل 102 دقيقة إضافية في اليوم.
ومن المفارقات المثيرة أن بعض الخطابات النسوية تروج لفكرة أن المرأة حرة عندما تعمل لساعات طويلة في خدمة أرباب العمل في المصانع والمكاتب، لكنها تُعامل كعبدة عندما تختار البقاء في المنزل لرعاية أسرتها. هذه الازدواجية في الطرح تثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية وراء بعض التيارات النسوية، فهل المساواة تعني أن تصبح المرأة مجرد ترس في آلة الإنتاج الاقتصادي، بينما يُنظر إلى دورها الأسري على أنه قيد يجب كسره؟
على الصعيد الاجتماعي، يمكن استحضار نظرية التوازن الاجتماعي لعالم الاجتماع تالكوت بارسونز، التي ترى أن استقرار المجتمع يعتمد على توزيع الأدوار بين الأفراد وفقًا لقدراتهم وطبيعتهم. ومع تصاعد الحركات النسوية، شهدت المجتمعات الغربية تغييرات جذرية في بنية الأسرة والأدوار التقليدية للجنسين. ففي الولايات المتحدة، ارتفعت معدلات الطلاق من 2.2 حالة لكل 1000 شخص في عام 1960 إلى 5.3 في عام 1981، قبل أن تنخفض تدريجيًا إلى 2.9 في عام 2018. كما انخفضت معدلات الزواج من 8.5 حالات لكل 1000 شخص في عام 1970 إلى 6.5 في عام 2018. هذه التغيرات تشير إلى إعادة تشكيل العلاقات الأسرية والتحديات التي تواجهها في ظل التحولات الاجتماعية.
أما من الناحية القانونية، فإن تأثير الحركات النسوية يمكن تحليله من خلال نظرية العدالة للفيلسوف جون رولز، التي تؤكد أن القوانين يجب أن تحقق العدالة الاجتماعية بشكل متوازن، بحيث لا يتم تفضيل فئة على أخرى على حساب مبدأ الإنصاف. في هذا السياق، تم سنّ العديد من القوانين التي تهدف إلى حماية حقوق المرأة ومساواتها بالرجل. ومع ذلك، أثارت بعض التشريعات جدلاً حول مدى تحقيقها للتوازن والإنصاف بين الجنسين. فعلى سبيل المثال، في بعض الدول، تم تمرير قوانين تمنح امتيازات خاصة للمرأة دون النظر إلى مبادئ العدالة المتوازنة، مما أدى في بعض الحالات إلى اتهامات كيدية أو قرارات حضانة تميل لصالح الأم دون تقييم دقيق لكل حالة.
مع تصاعد هذا الجدل، يبقى السؤال مطروحًا: هل لا تزال النسوية تسير في طريقها الصحيح نحو تحقيق العدالة، أم أنها تحولت إلى أيديولوجيا تحمل في طياتها تحديات جديدة تتطلب مقاربة متوازنة تحترم خصوصية المجتمعات وتحفظ التوازن الاجتماعي، بحيث يتم تمكين المرأة دون أن يكون ذلك على حساب استقرار الأسرة والمجتمع؟

