أخبار وطنية

مافيا الغش الإلكتروني تضرب من جديد.. التكنولوجيا في خدمة تزوير النجاح

عثمان منجي الدين · 9‏/6‏/2026

لم يعد الغش في الامتحانات مجرد سلوك فردي معزول يلجأ إليه بعض التلاميذ بحثاً عن النجاح، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى نشاط منظم تديره شبكات متخصصة تستغل التطور التكنولوجي لتحقيق أرباح مالية ضخمة على حساب نزاهة المنظومة التعليمية ومبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين.

ومع اقتراب مواعيد الامتحانات الإشهادية، وعلى رأسها امتحانات البكالوريا، تنشط هذه الشبكات بشكل لافت عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري، حيث تعرض خدماتها بأساليب احترافية تستهدف التلاميذ وأسرهم، مستغلة هاجس النجاح والخوف من الفشل لتسويق أجهزة وتجهيزات إلكترونية متطورة تُستخدم في عمليات الغش داخل قاعات الامتحان.

وتعتمد هذه الشبكات على وسائل تقنية دقيقة يصعب رصدها بالعين المجردة، من بينها سماعات لاسلكية متناهية الصغر، وأجهزة إرسال واستقبال مخفية، وهواتف ذكية معدلة، فضلاً عن تقنيات متطورة تتيح التواصل المباشر مع أطراف خارج مراكز الامتحانات لتلقي الأجوبة بشكل فوري، في تحدٍّ واضح للقوانين المنظمة للامتحانات وللجهود المبذولة لضمان نزاهتها.

وتؤكد المعطيات المتداولة أن هذه الأنشطة لم تعد تقتصر على بيع المعدات الإلكترونية فحسب، بل تطورت إلى شبكات متكاملة تضم وسطاء وتقنيين ومروجين يعملون على استقطاب الزبائن وتوفير الدعم التقني قبل الامتحانات وأثناءها، مقابل مبالغ مالية متفاوتة قد تصل إلى آلاف الدراهم، ما يكشف عن وجود سوق سوداء حقيقية تستثمر في الغش وتستفيد من طموحات التلاميذ ومخاوفهم.

وفي المقابل، تواصل المصالح الأمنية والجهات المختصة حملاتها المكثفة لمواجهة هذه الظاهرة، حيث أسفرت عدة عمليات نوعية خلال السنوات الأخيرة عن تفكيك شبكات متورطة في ترويج معدات الغش وحجز كميات مهمة من الأجهزة الإلكترونية المستعملة في هذه الأنشطة، إضافة إلى توقيف عدد من المشتبه فيهم وتقديمهم أمام العدالة.

ويرى خبراء في الشأن التربوي أن الخطر الحقيقي لهذه الممارسات لا يكمن فقط في خرق القوانين، بل في ما تسببه من مساس بقيم الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص، إذ تمنح أفضلية غير مشروعة لفئة محدودة على حساب آلاف التلاميذ الذين يعتمدون على التحصيل والاجتهاد، مما يهدد مصداقية الشهادات التعليمية ويقوض ثقة المجتمع في المؤسسة التربوية.

ويحذر متابعون من أن استمرار انتشار هذه الشبكات قد يُفرغ الامتحانات من دورها الحقيقي كآلية لتقييم الكفاءات والقدرات، ويحولها إلى ساحة للمضاربة والمتاجرة، الأمر الذي يفرض تشديد الرقابة وتطوير وسائل الكشف عن الغش الإلكتروني، إلى جانب تعزيز التوعية بأهمية النزاهة الأكاديمية وترسيخ ثقافة الاعتماد على المجهود الشخصي.

وفي زمن تتسارع فيه وتيرة التطور الرقمي، تبدو معركة حماية الامتحانات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. غير أن الحفاظ على مصداقية الشهادات وضمان تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ يظل رهاناً استراتيجياً لا يقبل التهاون، باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لبناء مدرسة قائمة على الكفاءة والإنصاف والاستحقاق.