بقلم ذ مولود بسالم
كلما زرتُ المكان عند منعرج الوادي، تحرَّكت في أعماقي ذكرياتٌ ذاتُ شجون، مشحونة شوقًا إلى تلك الأيام الخوالي التى سقطت من شجرة العمر؛ أيام لم تبرح أطيافُها الذاكرة، ولا كفَّ صداها عن ملامسة الوجدان. هناك، حيثُ كان الزمنُ أكثر صفاءً، والضحكاتُ أكثر صِدقًا، و البراءةُ أريجا يعطر الأرواح،عشنا أزهى لحظات الصبى ،وظل المكان يحتظنها بأنفاسنا الأولى، ويعيدها إلينا همسًا كلما مررنا به، فألمح أطياف وجوهٍ غابت ولم تَزُلْ، وأسمعُ وقع خُطى الطفولة تركض بين جنبات الوادي، كأنها تأبى الرحيل. يعلو الحنينُ في صدري كمدٍّ خفي، ويُخافِتُ لي بأنَّ ما مضى لم ينتهِ، بل تغيَّر شكله فقط، ليقيم فينا ذكرى أزلية.
كانت قريتنا هي الدنيا في عيوننا ـ نحن أبناءهاـ ربما ضيّقةً في عيون الغريب! لكنها في صدورنا تمتد شاسعة كأفقٍ لا يُطال، كحلمٍ لا يعرف الانتهاء ،لم نكن نغادرها عند نهاية الموسم الدراسي ،”العطلة الكبيرة ” التي كنا نستقبلها بشوق عظيم ،لا بوصفها مجرد فسحة زمنية عابرة، بل باعتبارها نافذة تَنْفتح على عالمنا الحقيقي. هناك، حيث تنحلُّ القيود التي لا تشبهنا ولا تنسجم مع إيقاع حياتنا البسيطة، كنا نستعيد أنفسنا و نعانق حريتنا، ننفلت إلى الحقول والجنائن، ننهل من سحرها وقطوف أشجارها،ونصادق الشمس والتراب و الماء، نركض في الأزقة المتعرجة والدروب المسقوفة القصيرة، كأنما نرسم بشغبنا و ضحكنا شبكة خفية تصل البيوت ببعضها، كانت العطلة بالنسبة إلينا وعداً بالتخلص من جدران ضيقة، إلى فضاء رحب يحتضن طفولتنا .
كنّا نساعد الأهل في بعض المهام على عجل، نختلس الوقت اختلاسًا، ثم نتسلل نحو الوادي منتجعنا المفضل،رغم تحذيرات الآباء لنا ذلك الفضاء الرحب الذي كان يحتوينا جميعًا، ويمنحنا ما لا تمنحه الجدران. هناك، كنا نتجرد من أسمالنا ، ونلبس خفة الماء، نضحك، نسبح، ونتقاسم لحظاتٍ لا تشبهها إلا براءة البدايات.
كان الوادي قلب القرية النابض،و سرَّها الدفين، ومدرستنا الأولى في المغامرة . لم تكن مياهه العذبة مجرد ماء؛ كانت دعوةً مفتوحةً لكل من يجرؤُ على الاقتراب، وسحرًا يسري في العروق قبل أن يلامس الأجساد. كنا نصل إليه جماعاتٍ متفرقة، نخلع نعالنا قبل أن نخلع خوفنا، ونخطو نحو ضفافه بحذرٍ أول الأمر، ثم بجرأةٍ تزداد مع أول لمسةٍ باردةٍ تلسع الأقدام .الحصى هناك كان فضيًا في الأعماق ، أو هكذا كنا نراه يتلألأ تحت أشعة الشمس ويصدر همساتٍ خفيفة كلما داعبته المياه، نحفظه كما نحفظ وجوه بعضنا؛ هذا الحجر منزلق، وذاك حادّ، وهنا تبدأ منطقة العمق، وهناك تيارٌ خادعٌ يجرُّك دون أن تشعر. لم نكن سبَّاحين فحسب؛ بل حرَّاسًا لذاكرة الوادي، نعرف أسراره الصغيرة قبل الكبيرة،أما البرك… فكانت عالماً آخر داخل العالم ،كنا نمنحها أسماءً لا من فراغ، بل من صميم حياتنا: هناك “البركة الكبرى” ، التي تكفي الإشارة إليها لتستحضر في الأذهان اتساعها، وبرودة مائها، وهيبتها التي لا يقترب منها إلا من تدرّب طويلًا. وهناك بركٌ أصغر، نطلق عليها أسماء أصدقائنا: هذه بركة علي لأنه هو من يسبر أغوارها ، ويكشف أسرارها ، وتلك بركة آخر لأنه كاد أن يغرق فيها فخرج منها بطلاً في عيوننا.
في ذروة الحر، حين يتحول يوليوز إلى جمرٍ متّقد، ويصير غشت ريحًا حارقة تلفح الوجوه، كان الوادي ملاذنا الوحيد ، نهرب إليه كما يهرب العطشان إلى السراب، لكننا كنا نعرف أن سرابنا ماء. نغوص فيه حتى تتجعد أطراف أصابعنا، ونسبح حتى تتعب أذرعنا، ثم نعود فنبدأ من جديد، كأن التعب نفسه جزء من المتعة.
كنا نتحدى بعضنا ،من يعبر البركة إلى الضفة الأخرى دون توقف؟ من يصمد أطول تحت الماء؟ من يقفز من أعلى النخلة أو الصخرة دون أن يتردد؟ كانت المغامرة قانوننا الوحيد، والخوف خصمنا الذي نلاعبه دون أن نهزمه تمامًا.
كان عليّ ٌ، بطلنا الصغير في السباحة، سيِّدَ الماء بلا منازع، حافظًا لخبايا البركة التي صارت توسم باسمه و تحفظ بصناته كما تُحفَظ التعويذات في صدور العارفين. هناك، عند حافتها العميقة التي كانت تُرهبنا بصمتها الغامض، يقف بثقةٍ لا تشبه أعمارنا، ثم يرتمي في حضنها بقفزةٍ بهلوانية تخطف الأنفاس، كأنّه طائرٌ تدرّب طويلًا على مصافحة الهواء قبل أن يعانق الماء.
كنّا نتحلّق حوله في صمتٍ مشوبٍ بالدهشة، نرقب اختفاءه في عمق الماء؛ هناك، حيث لا يجرؤ أحدٌ منّا حتى على تخيّل الوصول. كان يطيل الغوص إلى حدٍّ نظن معه أنّ الماء قد ابتلعه، وأنّ الزمن نفسه تركه منسيًّا في القاع. وفجأة، يشقّ السطح كوميضٍ حيّ، يُطلُّ بوجهٍ تعلوه ابتسامة المنتصر، وفي يده قطعة النقود التي رميناها تحدّيًا وتحفيزًا، فإذا به يتحدّى التحدّي ذاته.
قبل كلِّ غوصة، كنّا نراه يملأ فمه بجرعةٍ من الزيت، حيلةً غامضة حسبناها سرًّا من أسرار الأعماق، ثم ينطلق كأنّه يحمل تعاويذ خفيَّة تُطيل أنفاسه وتؤنس وحدته في القاع. ولم تتوقَّف حكاياتنا عند هذا الحد؛ فقد كان بعضُنا يهمس بأنّ سرَّه الحقيقي يبدأ قبل ذلك، حين يختلي بضفدعةٍ على حافة الوادي، فيقبّلها كما جرت به العادة في مخيّلتنا الطفولية، كأنّه يستمدّ منها بركة الماء أو سرَّ التنفُّس في الأعماق.
حاولنا، نحن الصغار، أن نفكَّ لغز تفوُّقه، فجرَّبنا الزيت، وقلَّدنا طقوسه، بل ولم يتردَّد بعضُنا في تقبيل الضفادع على استحياءٍ وضحك، لكنّ المسافة بيننا وبينه ظلت بعيدة. كان دائمًا يسبقنا بخطوة، ويعود من العمق بما لا نقدر عليه، لتبقى في عيوننا تلك الحكاية الحيّة، والنجم الصغير الذي لا يُطال.
حين يبدأ العصر في الانحناء، وتلين الشمس بعد قسوتها، كنا نشعر أن وقتنا يوشك على الانتهاء. فنستجمع ما تبقى فينا من طاقة، ونقفز القفزة الأخيرة، تلك التي كنا نسميها “قفزة الوداع”. نضحك، نصرخ، نرش الماء على بعضنا، ثم نخرج ببطء، كأننا نغادر جزءًا منا سيبقى هناك حتى الغد.
كنا نؤمن – أو نتظاهر بالإيمان – أن الماء بعد المغيب ليس لنا. كان الكبار يروون لنا أن الجنّ يسكنونه حين تميل الشمس نحو الغروب، وأن من يتأخر في مياهه قد يصيبه ما لا تُحمد عقباه. لم نكن نرى الجنّ، لكننا كنا نرى كيف تحمرّ الحواف، وكيف يتبدل لون الماء، وكيف يسكن كل شيء فجأة، كأن الوادي يستعيد نفسه منا. فنخاف… نعم، كنا نخاف.
لكن ذلك الخوف لم يكن عدوًا، بل كان جزءًا من اللذة. كان يعلّمنا أن للفرح حدودًا، وأن للمغامرة توقيتًا، وأن الطبيعة، مهما بدت لنا صديقة، تخفي وجهًا آخر لا يُستهان به.
نعود إلى القرية ونحن نرتجف قليلًا، لا من البرد، بل من بقايا الحكايات التي تسكن رؤوسنا. نحمل معنا رائحة الماء، ولمعان الحصى، وصخب الضحكات التي لم تكتمل.
واليوم، كلما استدعيت تلك الصور، أدرك أن الوادي لم يكن مجرد مجرى ماء، ولا كانت البرك مجرد أماكن للسباحة. كان ذلك كله بدايتنا الأولى مع العالم، حيث تعلَّمنا الجرأة، ولامسنا الخوف، واكتشفنا أن للطفولة أسرارًا لا تُحكى… بل تُعاش، ثم تبقى إلى الأبد تنبض في الذاكرة كقلبٍ لا يشيخ.
مولود باسالم
*تامدا: البِرْكَةُ باللغة الأمازيغية .