فن وثقافة

محمد البغدادي: عالم الفيزياء الذي أنار العقول ورحل في صمت

عثمان منجي الدين · 19‏/3‏/2025

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله

في عالم يميل إلى الاحتفاء بالشهرة أكثر من الجوهر، يبرز بعض العلماء الذين تركوا بصمة لا تُمحى في مجالاتهم دون أن يسعوا إلى الأضواء. من بين هؤلاء، العالم السوري محمد البغدادي، الذي يُعدّ من أبرز علماء الفيزياء في العالم العربي.

وُلد في دمشق، وكرّس حياته للعلم والتعليم، ليصبح صاحب أكبر موسوعة فيزيائية باللغة العربية. لم تكن موسوعته مجرد كتاب، بل كانت مرجعًا شاملًا يضم كل ما يحتاجه الباحث والطالب لفهم الفيزياء في عمقها. لم يقتصر تأثيره على وطنه، بل امتد إلى المغرب، حيث قدّم مساهمات علمية وتعليمية هامة.

في المملكة المغربية، أسّس أول مختبر للفيزياء النظرية في جامعة محمد الخامس بالرباط، حيث علّم أجيالًا من كبار العلماء والباحثين. كان من أوائل من قدّموا لطلابه مفاهيم معقدة مثل النسبية العامة وميكانيكا الحقول الكمية، وتمكّن من وصف الطاقات العليا باستخدام الحالات الطوبولوجية، وهو إنجاز علمي رائد.

ورغم إسهاماته العلمية العميقة، ظل البغدادي بعيدًا عن الأضواء، يعمل بصمت، مؤمنًا بأن المعرفة الحقيقية لا تحتاج إلى بهرجة إعلامية. رحل عن عالمنا في عام 2020، لكنه ترك إرثًا علميًا هائلًا من الكتب والدراسات، فضلًا عن أجيال من العلماء والباحثين الذين نهلوا من علمه.

أحيانًا، نجد أشخاصًا يقدّمون الكثير في صمت، بينما تسلط الأضواء على من هم أقل شأنًا. لكن قيمة الإنسان تبقى فيما يتركه من أثر، ومحمد البغدادي هو نموذج للعالم الحقيقي، الذي لم يسعَ إلا لخدمة المعرفة ونقلها للأجيال القادمة.