الرياضة

محكمة التحكيم الرياضي وقضية نهائي “كان المغرب 2025”: بين مشروعية القرار الرياضي وحدود العدالة التحكيمية

عثمان منجي الدين · 30‏/3‏/2026

بقلم الأستاذ اسليماني مولاي عبد الله محكم دولي معتمد

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها القانون الرياضي الدولي، برز النزاع المعروض أمام محكمة التحكيم الرياضي بشأن نهائي كأس إفريقيا للأمم المغرب 2025 كحالة نموذجية تعكس التوتر القائم بين سلطة الهيئات الرياضية في تنظيم المنافسات وضمان احترام القواعد، وبين حق الاتحادات الوطنية في التقاضي والدفاع عن مصالحها أمام هيئات تحكيم مستقلة. فقد جاء طعن الاتحاد السنغالي لكرة القدم ضد قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، الذي اعتبر المنتخب السنغالي منهزماً بالانسحاب ومنح الفوز للمنتخب المغربي، ليعيد إلى الواجهة إشكالية جوهرية تتعلق بمدى رقابة القضاء التحكيمي على القرارات التأديبية الرياضية وحدود تدخله في النتائج النهائية للمنافسات.

إن تحليل هذا النزاع يقتضي أولاً استحضار القاعدة الأساسية التي يقوم عليها النظام الرياضي الدولي، والمتمثلة في مبدأ “استقرار المنافسات”، وهو مبدأ اقتصادي-تنظيمي يندرج ضمن نظرية الكفاءة المؤسساتية، حيث تسعى الهيئات الرياضية إلى ضمان استمرارية البطولات وعدم تعطيلها بسبب النزاعات. في هذا السياق، تنص لوائح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، المنسجمة مع قواعد الاتحاد الدولي لكرة القدم، على أن أي انسحاب أو رفض لخوض المباراة يؤدي تلقائياً إلى الخسارة بنتيجة 3-0، وهو ما يشكل تطبيقاً صارماً لمبدأ “الجزاء التلقائي” الذي يهدف إلى ردع السلوكيات التي قد تهدد انتظام المنافسة.

غير أن هذا المبدأ، رغم وجاهته التنظيمية، يثير إشكالات قانونية عميقة عند عرضه على محكمة التحكيم الرياضي، التي لا تمارس وظيفة إدارية بل قضائية تحكيمية قائمة على مراقبة المشروعية. فالمحكمة، وفق اجتهاداتها المستقرة، لا تعيد لعب المباريات ولا تعوض الهيئات الرياضية في تقدير الوقائع، بل تكتفي بفحص ما إذا كان القرار المطعون فيه قد احترم الضمانات الأساسية، وعلى رأسها حق الدفاع، وتعليل القرارات، ومبدأ التناسب. ومن هنا تتجلى نظرية “الرقابة المحدودة للقاضي التحكيمي”، التي تندرج ضمن المدرسة القانونية الأنجلوساكسونية في التحكيم الرياضي، حيث يتم احترام استقلالية الهيئات الرياضية مقابل ضمان الحد الأدنى من العدالة الإجرائية.

وفي ضوء البيان الصادر، يبرز عنصر حاسم يتمثل في كون قرار 17 مارس 2026 الصادر عن CAF قد تضمن منطوق الحكم دون تعليل مفصل، وهو ما يفتح المجال لتطبيق نظرية “العيب الشكلي الجوهري”، التي قد تؤدي إلى تعليق الآجال أو حتى إلغاء القرار شكلياً. غير أن هذا العيب، حتى في حال ثبوته، لا يعني بالضرورة منح اللقب للاتحاد السنغالي، لأن القضاء التحكيمي لا ينشئ مراكز قانونية جديدة خارج إطار المنافسة الفعلية، وهو ما تؤكده القاعدة المستقرة: “لا لقب بدون لعب”.

من زاوية اقتصادية، يعكس هذا النزاع أيضاً رهانات مالية كبرى، حيث ترتبط نتائج البطولات القارية بعقود الرعاية، وحقوق البث، وقيمة العلامة التجارية للاتحادات الوطنية. وهنا تتقاطع نظرية “اقتصاديات الرياضة” مع القانون، إذ إن أي قرار بإلغاء النتيجة أو إعادة المباراة قد يترتب عنه اضطراب مالي كبير، وهو ما يدفع محكمة التحكيم الرياضي إلى تبني مقاربة حذرة تراعي التوازن بين العدالة القانونية والاستقرار الاقتصادي.

أما من الناحية الاجتماعية، فإن القضية تتجاوز الإطار القانوني لتلامس مشاعر الجماهير وثقة الرأي العام في نزاهة المنافسات. فالقانون الرياضي، وفق المدرسة الاجتماعية، لا يقتصر على تنظيم العلاقات بين الأطراف، بل يضطلع بدور في حماية “العدالة الرمزية” التي تشكل أساس الانتماء الجماعي للرياضة. ومن ثم، فإن أي قرار يصدر في هذا النزاع يجب أن يراعي ليس فقط النصوص القانونية، بل أيضاً أثره على مصداقية المؤسسات الرياضية في إفريقيا.

وفي التقدير القانوني الراجح، فإن محكمة التحكيم الرياضي ستتجه، على الأرجح، إلى تأييد قرار الاتحاد الإفريقي لكرة القدم من حيث النتيجة، مع إمكانية تسجيل ملاحظات تتعلق بضرورة تعليل القرارات واحترام الضمانات الإجرائية. ذلك أن الانسحاب، متى ثبت، يرتب جزاءً تلقائياً لا يملك القاضي التحكيمي سلطة تعديله إلا في حالات استثنائية كالقوة القاهرة أو الخطأ التنظيمي الجسيم، وهي حالات لم يثبت وجودها في المعطيات المتاحة.

وبذلك، يكرس هذا النزاع من جديد حدود العدالة التحكيمية في المجال الرياضي، حيث تتقاطع ثلاثة مستويات: سلطة تنظيمية للهيئات الرياضية، ورقابة قضائية محدودة لمحكمة التحكيم، ورهانات اقتصادية واجتماعية تفرض الحفاظ على استقرار النظام الرياضي. وفي هذا التوازن الدقيق، يظل المبدأ الحاكم هو أن العدالة الرياضية ليست مطلقة، بل هي عدالة وظيفية تهدف إلى حماية اللعبة قبل أي اعتبار آخر.